استثناء منقطع وهذا واضح لأنه لم يندرج تحت اللغو والتأثيم، والثاني: أنه متصل وفيه بعد؛ قال
ابن عادل فكان هذا رأى أنّ الأصل لا يسمعون فيها كلامًا فاندرج عنده فيه؛ ثم بين تعالى ذلك بقوله: {سلامًا سلاما} أي قولًا سلامًا، قال عطاء: يحيى بعضهم بعضًا بالسلام، أو تحيهم الملائكة، أو يحييهم ربهم؛ ودل على دوامه بتكريره فقال تعالى: {سلاما} ففيه إشارة إلى كثرة السلام عليهم ولهذا لم يكرر في قوله تعالى {سلام قولًا من رب رحيم} (يس: 58)
وقال القرطبي: السلام الثاني بدل من الأوّل، والمعنى: إلا قولًا يسلم فيه من اللغو.
ولما بين حال السابقين شرع في بيان حال أصحاب اليمين فقال تعالى:
{وأصحاب اليمين} ثم فخم أمرهم وأعلى مدحهم لتعظيم جزائهم فقال تعالى: {ما أصحاب اليمين} فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ أصحاب الميمنة عند تقسيم الأزواج الثلاثة وبلفظ أصحاب اليمين عند ذكر الإنعام؟ أجيب: بأن ذلك تفنن في العبارة والمعنى واحد {في سدر} أي: شجر نبق {مخضود} أي: لا شوك فيه كأنه خضد شوكه أي: قطع ونزع منه؛ قال ابن المبارك: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يقولون: إنا لينفعنا الأعراب ومسائلهم؛ قال: أقبل أعرابي يومًا فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله تعالى في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذى صاحبها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وما هي؟» قال: السدر فإن له شوكًا مؤذيًا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أو ليس يقول سدر مخضود خضض الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمرًا على اثنين وسبعين لونًا من الطعام ما فيه لون يشبه الآخر» ؛ وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى وج وهو واد بالطائف مخصب فأعجبهم سدره فقالوا يا ليت لنا مثل هذا فنزلت. قال أمية بن أبي الصلت يصف الجنة وما فيها:
*إن الحدائق في الجنان ظليلة ... فيها الكواعب سدرها مخضود*
قال مجاهد: {في سدر مخضود} هو الموقر حملًا الذي تنثني أغصانه كثرة حمله من خضض الغصن إذا ثناه وهو رطب؛ وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال {وطلح منضود} أي: منظوم بالجمل من أعلاه إلى أسفله ليست له ساق بارزة متراكم يتركب بعضه على بعض على ترتيب هو في غاية الإعجاب، والطلح جمع الطلحة؛ قال عليّ وابن عباس رضى الله عنهم وأكثر المفسرين: الطلح شجر الموز واحده طلحة؛ وقال الحسن: ليس هو موزًا ولكنه شجر له ظل بارد رطب؛ وقال الفرّاء وأبو عبيدة: شجر عظيم كثير الشوك والطلح كل شجر عظيم له شوك؛ وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان؛ قال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل، وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا خوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلا أنّ فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا؛ وقال السدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا لكن له ثمر أحلى من العسل؛ وقال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها {وظل ممدود} أي: دائم لا يزول ولا تنسخه الشمس لقوله تعالى: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظلّ ولو شاء لجعله ساكنًا} (الفرقان: 45)
كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس؛ وقيل: الظل ليس ظلّ أشجار بل ظلّ يخلقه الله تعالى، قال الربيع بن أنس رضى الله عنه: يعني ظلّ العرش؛ وقال عمرو بن ميمون رضى الله عنه: مسيرة سبعين ألف سنة؛ وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر