وعلم الله منهم غير ذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم
{قل} أي: لهؤلاء الأعراب مجهلًا لهم ومبكتًا {أتعلمون الله} أي: أتخبرون أخبارًا عظيمًا الملك الأعظم المحيط قدرة وعلمًا {بدينكم} أي بقولكم آمنا {والله} أي: والحال أن الملك المحيط بكل شيء {يعلم ما في السموات} كلها على عظمتها وكثرة ما فيها {وما في الأرض} كذلك {والله} أي: الذي له الإحاطة الكاملة {بكل شيء} أي مما ذكر ومما لم يذكر {عليم} أي: لا تخفي عليه خافية وهو تجهيل لهم وتوبيخ
{يمنون عليك} أي: يذكرون ذكر من اصطنع صنيعة وأسدى إليك نعمة {أن أسلموا} أي: من غير قتال بخلاف غيرهم ممن أسلم بعد قتال منهم ولما كان المنّ هو القطع من العطاء الذي لا يراد عليه جزاء قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل} أي: في جواب قولهم هذا {لا تمنوا عليّ إسلامكم} لو فرض أنكم كنتم متدينين بدين الإسلام الذي هو انقياد الظاهر مع اذعان الباطن أي لا تذكروا الامتنان أصلًا لأنّ الإسلام لا يطلب جزاؤه إلا من الله تعالى فلا ينبغي عدّه صنيعة على أحد فإنّ ذلك يفسده {بل الله} أي: الملك الأعظم الذي له المنة على كل موجود ولا منة عليه بوجه {يمن عليكم} أي: بذكر أنه أسدى إليكم نعمة {أن} أي: بأن {هداكم للإيمان} أي: فهو المانّ عليكم لا أنتم عليه وعلي.
فإن قيل: كيف منّ عليهم بالهداية إلى الإيمان مع أنه تبين أنهم لم يؤمنوا. أجيب بأوجه: أحدها: أنه تعالى لم يقل بل الله يمنّ عليكم أن رزقكم الإيمان بل قال أن هداكم للإيمان ثانيها: أنه تعالى منّ عليهم بما زعموا فكأنه تعالى قال أنتم قلتم آمنا فذلك نعمة في حقكم حيث تخلصتم من النار. فقال تعالى {هداكم} في زعمكم
ولهذا قال تعالى: {إن كنتم صادقين} أي: في قولكم آمنا فإنه على تقدير الصدق إنما هو بتوفيق الله تعالى وهو الذي خلق لكم قدرة الطاعة فهو الفاعل في الحقيقة فله المنة عليكم. قال القشيري: من لاحظ شيئًا من أحواله فإن رآها من نفسه كان مشركًا وإن رآها لنفسه كان مكرًا فكيف يمنّ العبد بما هو شرك أو مكر والذي يجب عليه قبول المنة كيف يرى لنفسه على غيره منة هذا لعمري فضيحة والمنة تكدّر الصنيعة إذا كانت من المخلوقين وبالمنة تطيب النعمة إذا كانت من قبل الله تعالى.
{إن الله} أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلمًا {يعلم غيب السموات} أي: ما غاب فيها كلها {والأرض} كذلك ولما أريد التعميم من غير تقييد بالخافقين أظهر ولم يضمر قوله تعالى: {والله} أي الذي له الإحاطة بذلك وبغيره مما لا تعلمون {بصير} أي: عالم أتم العلم {بما تعملون} أي: من ظاهر إسلامكم في الماضي والحاضر والآتي سواء أكان ظاهرًا أم باطنًا سواء أكان قد حدث فصار بحيث تعلمونه أنتم أو كان مفروزًا في جبلاتكم وهو خفيّ عنكم. وقرأ ابن كثير: بالياء التحتية على الغيبة نظرًا لقوله تعالى: {يمنون} وما بعده والباقون بالفوقية على الخطاب نظرًا إلى قوله تعالى: {لا تمنوا عليّ إسلامكم} إلى آخره وفي هذه الآية إشارة إلى أنه يبصر أعمال جوارحكم الظاهرة والباطنة لا يخفى عليه شيء وما رواه البيضاوي تبعًا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه» حديث موضوع.