وأمّا السوء فجار مجرى الشرّ الذي هو نقيض الخير {وغضب الله} أي: الملك الأعظم بما له من صفات الجلال والجمال فاستعلى غضبه {عليهم} وهو أنه تعالى يعاملهم معاملة الغضبان بما لا طاقة لهم به {ولعنهم} أي: طردهم طردًا أنزلوا به أسفل السافلين فبعدوا به عن كل خير {وأعد} أي: هيأ {لهم} الآن {جهنم} تلقاهم بالعبوسة والتغيظ والزفير والتجهم كما كانوا يتجهمون عباد الله مع ما فيها من العذاب والحرّ والبرد والإحراق وغير ذلك من أنواع المشاق {وساءت} أي: جهنم {مصيرًا} أي: مرجعًا. وقوله تعالى:
{ولله} أي: الملك الأعظم {جنود السموات والأرض} تقدم تفسيره.
وفائدة الإعادة التأكيد وجنود السموات والأرض منهم من هو للرحمة، ومنهم من هو للعذاب وقدّم ذكر جنود السموات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة ليكون مع المؤمنين ملائكة الرحمة فتبشرهم على الصراط وعند الميزان، فإذا دخلوا الجنة أفضوا إلى جوار الله تعالى ورحمته والقرب منه فلا حاجة لهم بعد ذلك إلى شيء وأخرّ ذكر جنود السموات والأرض بعد ذكر تعذيب الكفار والمنافقين ليكون معهم جنود السخط فلا يفارقونهم أبدًا كما قال تعالى {عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم} (التحريم: 6)
فإن قيل: قال الله تعالى {وكان الله عليمًا حكيمًا} (النساء: 17)
وقال هنا {وكان الله} أي: الملك الذي لا أمر لأحد معه أزلًا وأبدًا {عزيزًا} أي: يغلب ولا يغلب {حكيمًا} أي: يضع الشيء في أحكم مواضعه فلا يستطاع نقض شيء مما ينسب إليه أجيب: بأنه لما كان في جنود السموات والأرض من هو للرحمة ومن هو للعذاب وعلم الله تعالى ضعف المؤمنين ناسب أن تكون خاتمة الآية الثانية {وكان الله عزيزًا حكيمًا} .
{إنا} أي: بما لنا من العز والحكمة {أرسلناك} أي: بما لنا من العظمة إلى الخلق كافة {شاهدًا} على أفعالهم من كفر وإيمان وطاعة وعصيان من كان بحضرتك فبنفسك ومن كان بعد موتك أو غائبًا عنك فبكتابك مع ما أيدناك به من الحفظة من الملائكة الكرام {ومبشرًا} أي: لمن أطاع بأنواع البشائر {ونذيرًا} أي مخوّفًا لمن خالفك وعصى أمرك بالنار. ثم بين تعالى فائدة الإرسال.
بقوله سبحانه: {ليؤمنوا بالله} أي: لا يسوغ لأحد من خلقه. والكل خلقه التوجه إلى غيره {ورسوله} أي: الذي أرسله من له كل شيء ملكًا وخلقًا إلى جميع خلقه {ويعزروه} أي يعينوه وينصرونه والتعزير نصر مع تعظيم {ويوقروه} أي: يعظموه والتوقير التعظيم والتبجيل {ويسبحوه} من التسبيح الذي هو التنزيه عن جميع النقائص أو من السبحة وهي الصلاة. قال الزمخشري: والضمائر لله عز وجلّ: والمراد بتعزير الله تعزير دينه ورسوله ومن فرّق الضمائر فقد أبعد. وقال غيره: الكنايات في قوله {ويعزروه ويوقروه} راجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها تم الكلام فالوقف على {ويوقروه} وقف تامّ ثم يبتدئ بقوله تعالى: {ويسبحوه} {بكرةً وأصيلًا} أي غدوةً وعشيًا أي دائمًا وعن ابن عباس صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر على أنّ الكناية في {ويسبحوه} راجعة إلى الله عز وجلّ وقال البقاعي: الأفعال الثلاثة يحتمل أن يراد بها الله تعالى لأنّ من سعى في قمع الكفار فقد فعل فعل المعزر الموقر، فيكون إما عائدًا على المذكور وإمّا أن يكون جعل الأسمين واحدًا إشارة إلى اتحاد المسميين