رضي الله عنهما: من قال لا إله إلا الله فليقل: على أثرها الحمد لله رب العالمين.
ولما أورد على المشركين تلك الأدلة الدالة على إثبات إله العالم أمره بقوله تعالى:
{قل} أي: لهؤلاء الذين يجادلونك في البعث مقابلًا لإنكارهم بالتوكيد {إني نهيت} أي: ممن لا نهي لغيره نهيًا عامًا ببراهين العقول ونهيًا خاصًا بأدلة النقل {أن أعبد الذين تدعون} أي: تعبدون {من دون الله} أي: الذي له الكمال كله، قال البقاعي: ودل على أنه ما كان متعبدًا قبل البعثة بشرع أحد بقوله: {لما جاءني البينات} أي: الحجج وهي ما تقدم من الدلائل الدالة على أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفًا بصفات الجلال والعظمة وصريح العقل يشهد بأن العبادة لا تليق إلا له وأما الأحجار المنحوتة والأخشاب المصورة فلا تصح أن تكون شركاء له. ثم نبه على أنه تعالى كما يستحق الإفراد بالعبادة لذاته يستحقها شكرًا لإحسانه بقوله: {من ربي} أي: المربي لي تربية خاصة هي أعلى من كل مخلوق سواي فأنا أعبده عبادة تفوق عبادة كل عابد.
ولما أمره بما ينهى عنه أمره بما يتحلى به فقال: {وأمرت أن أسلم} أي: حين دعي إلى الكفر {لرب العالمين} لأن كل ما سواه مربوب له فالإقبال عليه خسار وإذا نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأمر بهذا لكون الآمر والناهي هو رب العالمين كان غيره مشاركًا له في ذلك لا محالة.
ولما استدل تعالى على إثبات الإلهية بدليل الآفاق وذكر منها الليل والنهار والأرض والسماء، ثم ذكر الليل على إثبات الإله القادر بخلق الأنفس وهو نوعان؛ أحدهما: حسن الصورة ورزق الطيبات، ذكر النوع الثاني: وهو كيفية تكوين البدن من ابتداء كونه نطفة وجنينًا إلى آخر الشيخوخة والموت فقال تعالى:
{هو} أي: لا غيره {الذي خلقكم من تراب} أي: بخلق أبيكم آدم عليه السلام منه، قال الرازي: وعندي لا حاجة إلى ذلك لأن كل إنسان فهو مخلوق من المني ومن دم الطمث، والمني مخلوق من الدم والدم إنما يتولد من الأغذية إما حيوانية وإما نباتية، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكوين الإنسان فكانت الأغذية كلها منتهية إلى النبات، والنبات إنما يكون من التراب والماء، فثبت أن كل إنسان متكون من التراب، ثم إن ذلك التراب يصير نطفة كما قال تعالى: {ثم من نطفة} أي: من مني {ثم من علقة} أي: دم غليظ متباعد حاله عن حال النطفة كما كان حال النطفة متباعدًا عن حال التراب {ثم} بعد أن جرت شؤون أخرى {يخرجكم} أي: يجدد إخراجكم شيئًا بعد شيء {طفلًا} أي: أطفالًا والتوحيد لإرادة الجنس أو على تأويل كل واحد منكم لا تملكون شيئًا ولا تعلمون شيئًا {ثم} يدرجكم في مدارج التربية صاعدين بالقوة في أوج الكمال طورًا بعد طور وحالًا بعد حال {لتبلغوا أشدكم} أي: تكامل قوتكم من الثلاثين سنة إلى الأربعين وعن الشعبي صغر الغلام لسبع سنين ويحتلم لأربع عشرة وينتهي طوله لإحدى وعشرين وينتهي عقله لثمان وعشرين ويبلغ أشده لثلاث وثلاثين {ثم} يهبطكم بالضعف والوهن في مهاوي السفول {لتكونوا شيوخًا} ضعفاء غرباء قد ماتت قوتكم ووهنت أركانكم، وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص بضم الشين والباقون بكسرها {ومنكم من يتوفى} بقبض روحه {من قبل} أي: قبل حال الشيخوخة أو قبل حال