فهرس الكتاب

الصفحة 1686 من 2551

وذلك أن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم نقله ابن الجوزي عنه، وقد أرشد السياق حتمًا إلى أن التقدير: والنهار نسلخ منه الليل الذي كان ساتره وغالبًا عليه فإذا هم مبصرون.

ولما ذكر الوقتين ذكر آيتيهما مبتدئًا بآية النهار بقوله تعالى:

{والشمس} أي: التي سلخ النهار من الليل بغيبوبتها {تجري لمستقر لها} أي: لحد معين ينتهي إليه دورها لا تتجاوزه فشبه بمستقر المسافر إذا قطع سيره، وقيل: مستقرها بانتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وقيام الساعة، وقيل: إنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع فذلك مستقرها لا تتجاوزه، وقيل: مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مستقرها تحت العرش» وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر حين غربت الشمس: «تدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى {والشمس تجري لمستقر لها} » .

ولما كان هذا الجري على نظام لا يختل على ممر السنين وتعاقب الأحقاب عظمه بقوله تعالى: {ذلك} أي: الأمر الباهر للعقول وزاد في عظمه بصيغة التفعيل بقوله تعالى: {تقدير العزيز} أي: الذي لا يقدر أحد في شيء من أمره على نوع مغالبة وهو غالب على كل شيء {العليم} أي: المحيط علمًا بكل شيء الذي يدبر الأمر فيطرد على نظام عجيب ونهج بديع لا يعتريه وهن ولا يلحقه يومًا نوع خلل، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى المستقر أي: ذلك المستقر تقدير العزيز العليم.

ولما ذكر آية النهار أتبعها آية الليل بقوله تعالى:

{والقمر قدرناه} أي: من حيث سيره {منازل} ثمانية وعشرين منزلًا في ثمانية وعشرين ليلة من كل شهر ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يومًا وليلة إن كان الشهر تسعة وعشرين يومًا، وقد ذكرنا أسامي المنازل في سورة يونس عليه السلام، فإذا صار القمر في آخر منازله دق فذلك قوله تعالى {حتى عاد} أي: بعد أن كان بدرًا عظيمًا {كالعرجون} من النخل وهو عود العذق ما بين شماريخه إلى منتهاه وهو منبته من النخلة رقيقًا منحنيًا ثم وصفه بقوله تعالى: {القديم} فإنه إذا عتق يبس وتقوس واصفر فيشبه القمر في رقته وصفرته في رأي العين في آخر المنازل، قال القشيري: إن القمر يبعد عن الشمس ولا يزال يتباعد حتى يعود بدرًا ثم يدنو، فكلما ازداد من الشمس دنوًا ازداد في نفسه نقصانًا إلى أن يتلاشى، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والقمر برفع الراء، والباقون بالنصب والرفع على الابتداء والنصب بإضمار فعل على الاشتغال، والوجهان مستويان لتقدم جملة ذات وجهين وهي قوله تعالى: {والشمس تجري} فإن راعيت صدرها رفعت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عجزها نصبت لتعطف فعلية على مثلها.

ولما قرر أن لكل منهما منازل لا يعدوها فلا يغلب ما هو آيته آية الآخر بل إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان ذاك وإذا جاء ذاك ذهب هذا قال تعالى:

{لا الشمس} التي هي آية النهار {ينبغي} أي: يسهل {لها} أي: ما دام هذا الكون موجودًا على هذا الترتيب {أن تدرك القمر} أي: تجتمع معه في الليل فما النهار سابق الليل ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت