مفترى أو محمد صلى الله عليه وسلم الذي قالوا: إنه ساحر {وأنى} أي: وكيف ومن أين {لهم التناوش} أي: تناول الإيمان تناولًا سهلًا {من مكان بعيد} أي: عن محله إذ هم في الآخرة ومحله في الدنيا، ولا يمكن إلا برجوعهم إلى الدنيا التي هي دار العمل وهذا تمثيل لحالهم في طلبهم أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا بحال من أراد أن يتناول شيئًا من علوه كما يتناوله الآخر من قدر ذراع تناولًا سهلًا لا تعب فيه، فإن قيل: كيف قال تعالى: {من مكان بعيد} وقد قال تعالى في كثير من المواضع أن الآخرة من الدنيا قريب، وسمى الله تعالى الساعة قريبة فقال {اقتربت الساعة} (القمر: 1)
{اقترب للناس حسابهم} (الأنبياء: 1)
{لعل الساعة قريب} (الشورى: 17)
أجيب: بأن الماضي كالأمس الدابر وهو من أبعد ما يكون إذ لا وصول إليه، والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنون فإنه آت فيوم القيامة الدنيا بعيدة منه لمضيها، ويوم القيامة في الدنيا قريب لإتيانه، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والكسائي بعد الألف بهمزة مضمومة والباقون بعد الألف بواو مضمومة فمعناه على هذا: كيف لهم تناول ما بعد عنهم وهو الإيمان والتوبة وقد كان قريبًا في الدنيا فضيعوه، وأما من همز فقيل معناه هذا أيضًا.
وقيل: التناؤش بالهمز من التنؤش الذي هو حركة في إبطاء يقال: جاء منئشًا أي: مبطئًا متأخرًا والمعنى: من أين لهم الحركة فيما لا حيلة لهم فيه قال ابن عباس: يسألون الرد فيقال: وأنى لهم الرد إلى الدنيا من مكان بعيد أي: من الآخرة إلى الدنيا وأمال أنى محضة حمزة والكسائي، وأبو عمرو بين بين وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح.
{وقد} أي: كيف لهم ذلك والحال أنهم قد {كفروا به} أي: بالذي طلب منهم أن يؤمنوا به محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن أو البعث {من قبل} أي: في دار العمل {و} الحال أنهم حال كفرهم {يقذفون} أي: يرمون {بالغيب} ويتكلمون بما يظهر لهم في الرسول صلى الله عليه وسلم من المطاعن وهو قولهم: ساحر وشاعر وكاهن، وفي القرآن سحر شعر كهانة وقال قتادة: يعني يرجمون بالظن يقولون لا بعث ولا جنة ولا نار {من مكان بعيد} أي: ما غاب علمه عنهم غيبة بعيدة وهذا تمثيل لحالهم في ذلك بحال من يرمي شيئًا ولا يراه من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه.
{وحيل بينهم وبين ما يشتهون} أي: من نفع الإيمان يومئذ والنجاة من النار والفوز بالجنة، أو من الرد إلى الدنيا كما حكى عنهم {أرجعنا نعمل صالحًا} ، وقرأ ابن عامر والكسائي بضم الحاء وهو المسمى بالإشمام والباقون بكسرها {كما فعل} أي: بأيسر وجه {بأشياعهم} أي: أشباهم من كفرة الأمم ومن كان مذهبه مذهبهم {من قبل} أي: قبل زمانهم فإن حالهم كان كحالهم، ولم يختل أمرنا في أمة من الأمم بل كان كلما كذب أمة رسولها أخذناها فإذا أذقناهم بأسنا أذعنوا وخضعوا فلم يقبل منهم ذلك ولا نفعهم شيئًا لا بالكف عن إهلاكهم ولا لإدراكهم شيئًا من الخير بعد إهلاكهم {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} (ق: 37)
ثم علل عدم الوصول إلى قصدهم بقوله تعالى: مؤكدًا لإنكارهم أن يكون عندهم شيء من شك في شيء من أمرهم {إنهم كانوا} أي: في دار القبول {في شك} أي: في جميع ما تخبرهم به رسلنا عنا من الجزاء والبعث وغير ذلك {مريب} أي: موقع في الريبة فهو بليغ