فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما وقيل: كانوا يتخذون صور الأنبياء والملائكة والصالحين في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة قيل: إن هذا كان أول الأمر، فلما تقادم الزمن قال لهم إبليس: إن آباءكم كانوا يعبدون هذه الصور فعبدوا الأصنام ولم تكن التصاوير ممنوعة في شريعتهم كما أن عيسى عليه السلام كان يتخذ صورًا من الطين فينفخ فيها فتكون طيرًا.
{وجفان} أي: قصاع وصحاف يؤكل فيها، واحدتها جفنة {كالجوابي} جمع جابية وهي الحوض الكبير يجبى إليه الماء أي: يجتمع يقال: كان يجلس على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون منها، وقرأ ورش وأبو عمرو بإثبات الياء بعد الباء الموحدة في الوصل دون الوقف، وابن كثير بإثباتها وقفًا ووصلًا، والباقون بالحذف وقفًا ووصلًا.
ولما ذكر القصاع على وجه يتعجب منه ذكر ما يطبخ فيه طعام تلك الجفان بقوله تعالى: {وقدور راسيات} أي: ثابتات ثباتًا عظيمًا لأنها لكبرها كالجبال لها قوائم لا يحركن عن أماكنها لعظمهن، ولا يبدلن ولا يعطلن وكان يصعد عليها بالسلالم وكانت باليمن.
ولما ذكر المساكن وما يتبعها أتبعها الأمر بالعمل بقوله تعالى: {اعملوا} أي: وقلنا لهم اعملوا أي: تمتعوا واعملوا على مزيد قربهم بحذف أداة النداء وعلى شرفهم بالتعبير بالآل بقوله تعالى: {آل داود} وقوله تعالى {شكرًا} يجوز فيه أوجه: أحدها: أنه مفعول به أي: اعملوا الطاعة سميت الصلاة ونحوها شكرًا لسدها مسده. ثانيها: أنه مصدر من معنى اعملوا كأنه قال: اشكروا شكرًا بعملكم، أو اعملوا عمل شكر. ثالثهما: أنه مفعول من أجله أي: لأجل الشكر، واقتصر على هذا البقاعي. رابعها: أنه مصدر واقع موقع الحال أي: شاكرين. خامسها: أنه منصوب بفعل مقدر من لفظه تقديره: واشكروا شكرًا. سادسها: أنه صفة لمصدر اعملوا تقديره عملًا شكرًا أي: ذا شكر.
تنبيه: كما قال تعالى عقب قوله سبحانه {أن اعمل سابغات} : {اعملوا صالحًا} قال عقب ما تعمله الجن له {اعملوا آل داود شكرًا} إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقة في هذه الأشياء، وإنما الإكثار من العمل الصالح الذي يكون شكرًا، وقوله تعالى {وقليل} خبر مقدم وقوله تعالى {من عبادي} صفة له وقوله تعالى {الشكور} مبتدأ والمعنى: أن العامل بطاعتي المتوفر الدواعي بظاهره وباطنه من قلبه ولسانه ويديه على الشكر بأن يصرف جميع ما أنعم الله تعالى به عليه فيما يرضيه قليل، ومع ذلك لا يوفي حقه لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرًا آخر لا إلى نهاية، ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر، وعبر بصيغة فعول إشارة إلى أن من يقع منه مطلق الشكر كثير، وأقل ذلك حال الاضطرار وقيل: المراد من آل داود عليه السلام هو داود نفسه وقيل: داود وسليمان وأهل بيتهما عليهما السلام قال جعفر بن سليمان: سمعت ثابتًا يقول: كان داود عليه السلام نبي الله صلى الله عليه وسلم قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تك تأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود عليه السلام قائم يصلي، وقال صلى الله عليه وسلم في صلاة النافلة: «أفضل الصلاة صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه» وقال في صوم التطوع: «أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا» وروي عن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلًا يقول: اللهم