باللام، وتارة بإلى، كما يتعدّى أرسل تارة باللام وتارة بإلى قال تعالى {وأرسلناك للناس رسولًا} وقال تعالى {كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا} {وإلى الله} أي: الملك الأعلى {عاقبة الأمور} أي: مصير جميع الأشياء إليه، كما أنّ منه باديتها، وإنما خص العاقبة لأنهم مقرون بالبادية، ولما بين تعالى حال المسلم رجع إلى بيان حال الكافر فقال تعالى:
{ومن كفر} أي: ستر ما أداه إليه عقله من أن الله تعالى لا شريك له وأن لا قدرة أصلًا لأحدٍ سواه ولم يسلم وجهه إليه {فلا يحزنك} أي: يهمك ويوجعك {كفره} كائنًا من كان، فإنه لم يفتك شيء فيه ولا معجز لنا ليحزنك ولا تبعة عليك بسببه في الدنيا وفي الآخرة، وأفرد الضمير في كفره اعتبارًا بلفظ من لإرادة التنصيص على كل فرد، وفي التعبير هنا بالماضي وفي الأوّل بالمضارع بشارة بدخول كثير في هذا الدين وأنهم لا يرتدون بعد إسلامهم، وترغيب في الإسلام لكل من كان خارجًا عنه فالآية من الاحتباك، ذكر الحزن ثانيًا دليلًا على حذف ضدّه أوّلًا، وذكر الاستمساك أوّلًا دليلًا على حذف ضدّه ثانيًا {إلينا} أي: في الدارين {مرجعهم فننبئهم} أي: بسبب إحاطتنا بأمرهم وعقب رجوعهم {بما عملوا} أي: ونجازيهم عليه إن أردنا {إن الله} أي: الذي لا كفء له {عليم} أي: محيط العلم بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال {بذات الصدور} أي: لا يخفى عليه سرّهم وعلانيتهم فينبئهم بما أسرّت صدورهم.
{نمتعهم} أي: نمهلهم ليتمتعوا بنعيم الدنيا {قليلًا} أي: إلى انقضاء آجالهم فإن كل آت قريب، وإن ما يزول بالنسبة إلى ما يدوم قليل {ثم نضطرّهم} أي: نلجئهم ونردّهم في الآخرة {إلى عذاب غليظ} أي: شديد ثقيل لا ينقطع عنهم أصلًا ولا يجدون لهم منه محيصًا من جهة من جهاته فكأنه في شدّته وثقله جرم عظيم غليظ جدًّا إذا ترك على شيء لا يقدر على الخلاص منه، ثم إنه تعالى لما سلى قلب النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {فلا يحزنك كفره} أي: لا تحزن على تكذيبهم فإن صدقك وكذبهم يتبين عن قريب وهو رجوعهم إلينا على أنه لا يتأخر إلى ذلك اليوم بل يتبين قبل يوم القيامة كما قال تعالى:
{ولئن} اللام لام قسم {سألتهم من خلق السموات} أي: بأسرها ومن فيها {والأرض} كذلك وقوله تعالى {ليقولنّ الله} أي: المسمى بهذا الاسم حذف منه نون الرفع لتوالي والأمثال وواو الضمير لالتقاء الساكنين، فقد أقرّوا بأن كل ما أشركوا به بعض خلقه ومصنوع من مصنوعاته، ولما تبين بذلك صدقه صلى الله عليه وسلم وكذبهم قال الله تعالى مستأنفًا {قل الحمد} أي: الإحاطة بجميع أوصاف الكمال {لله} أي: الذي له الإحاطة الشاملة من غير تقييد بخلق الخافقين ولا غيره على ظهور الحجة عليهم بالتوحيد {بل أكثرهم لا يعلمون} أي: ليس لهم علم يمنعهم من تكذيبك مع اعترافهم بما يوجب تصديقك، ولما أثبت لنفسه سبحانه الإحاطة بأوصاف الكمال استدلّ على ذلك بقوله تعالى:
{لله} أي: الملك الأعظم {ما فيّ السموات} كلها {والأرض} كذلك ملكًا وخلقًا فلا يستحق العبادة فيهما غيره، ولما ثبت ذلك أنتج قطعًا قوله تعالى {إن الله} أي: الذي لا كفء له {هو} أي: وحده {الغني} مطلقًا لأن جميع الأشياء له ومحتاجة إليه وليس محتاجًا إلى شيء أصلًا {الحميد} أي: المستحق لجميع المحامد لأنه المنعم على الإطلاق المحمود بكل