فهرس الكتاب

الصفحة 1524 من 2551

أي: في أيّ مكان منها على سعة أرجائها وتباعد أنحائها، وأعاد أونصًا على إرادة كل منهما على حدته بقوله {أو في الأرض} أي: كذلك وهذا كما ترى لا ينفي أن تكون الصخرة فيهما أو في غيرهما أو في أحدهما.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عليّ بن رياح أنه لما وعظ لقمان ابنه وقال إنها إن تك الآية أخذ حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك فألقاها في عرضه، ثم مكث ما شاء الله تعالى، ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته، وقال بعض المفسرين: المراد بالصخرة: صخرة عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء، وقال الزمخشري: فيه إضمار تقديره إن تكن في صخرة أو في موضع آخر في السموات أو في الأرض، وقيل: هذا من تقديم الخاص وتأخير العامّ وهو جائز في مثل هذا التقسيم، وقيل: خفاء الشيء يكون بطرق: منها: أن يكون في غاية الصغر، ومنها: أن يكون بعيدًا، ومنها أن يكون في ظلمة، ومنها: أن يكون وراء حجاب فإذا امتنعت هذه الأمور فلا يخفى في العادة فأثبت لله الرؤية والعلم مع انتفاء الشرائط بقوله إن تك مثقال حبة من خردل إشارة إلى الصغر، وقوله فتكن في صخرة إشارة إلى الحجاب وقوله أو في السموات إشارة إلى البعد فإنها أبعد الأبعاد، وقوله أو في الأرض إشارة إلى الظلمات فإن جوف الأرض أظلم الأماكن وقوله {يأت بها الله} أبلغ من قول القائل يعلمها الله لأنّ من يظهر له شيء ولا يقدر على إظهاره لغيره يكون حاله في العلم دون حال من يظهر له الشيء ويظهره لغيره، فقوله يأت بها الله أي: يظهرها للإشهاد يوم القيامة فيحاسب بها عاملها.

{إنّ الله} أي: الملك العظيم {لطيف} أي: نافذ القدرة يتوصل علمه إلى كل خفي عالم بكنهه، وعن قتادة لطيف باستخراجها {خبير} أي: عالم ببواطن الأمور فيعلم مستقرها، روي في بعض الكتب أنّ هذه آخر كلمة تكلم بها لقمان فانشقت مرارته من هيبتها فمات.

قال الحسن: معنى الآية هو الإحاطة بالأشياء صغيرها وكبيرها، ولما نبه على إحاطة علمه سبحانه وإقامته للحساب أمره بما يدخره لذلك توسلًا إليه وتخشعًا لديه وهو رأس ما يصلح به العمل ويصحح التوحيد ويصدقه بقوله:

{يا بني} مكرر للمناداة تنبيهًا على فرط النصيحة لفرط الشفقة {أقم الصلاة} أي: بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها تسببًا في نجاة نفسك وتصفية سرك فإن إقامتها وهو الإتيان بها على النحو المرضي مانعة من الخلل في العمل، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر لأنها الإقبال على من وحدته، فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه لأنه في التحقيق عدم ولهذا الإقبال والإعراض كانت ثابتة للتوحيد وبهذا يعلم أن الصلاة كانت في سائر الملل غير أن هيآتها اختلفت وترك ذكر الزكاة تنبيهًا على أنه من حكمته، والحكمة تخليه وتخلى ولده من الدنيا حتى ما يكفيهم لقوتهم ولما، أمره بتكميله في نفسه توفية لحق الحق عطف على ذلك تكميله لغيره بقوله {وأمر بالمعروف} أي: كل من تقدر على أمره تهذيبًا لغيرك وشفقة على نفسك لتخليص أبناء جنسك {وإنه} أي: كل من قدرت على نهيه {عن المنكر} حبًا لأخيك ما تحب لنفسك تحقيقًا لنصيحتك وتكميلًا لعبادتك، ومن هذا الطراز قول أبي الأسود رحمه الله تعالى:

*ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإن انتهت عنه فأنت حكيم*

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت