فهرس الكتاب

الصفحة 1476 من 2551

وذلك القوم فكان هو أصلًا في التوحيد فبدأ به، ولما كان السياق لإقامة الأدلة على البعث الذي هو من مقاصد السورة قال: {وأرجوا اليوم الآخر} أي: وافعلوا ما ترجون به العاقبة فأقيم المسبب مقام السبب، أو أمروا بالرجاء والمراد اشتراط ما يسوّغه من الإيمان كما يؤمر الكافر بالشرعيات على إرادة الشرط، وقيل: هو من الرجاء بمعنى الخوف {ولا تعثوا في الأرض} حال كونكم {مفسدين} أي: متعمدين الفساد، ولما تسبب عن هذا النصح وتعقبه تكذيبهم تسبب عنه وتعقبه إهلاكهم تحقيقًا لأنّ أهل السيئآت لا يسبقوننا قال تعالى: {فكذبوه} في ذلك، فإن قيل ما حكاه الله تعالى عن شعيب أمر ونهي والأمر لا يكذب ولا يصدق فإنّ من قال لغيره: اعبد الله لا يقال له كذبت؟ أجيب: بأنّ شعيبًا كان يقول الله واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد محرّم فلا تقربوه، وهذه فيها إخبارات فكذبوه فيما أخبر به {فأخذتهم الرجفة} أي: الزلزلة الشديدة، وعن الضحاك صيحة جبريل لأنّ القلوب رجفت بها {فأصبحوا في دارهم} أي: في بلدهم أو دورهم فاكتفى بالواحد ولم يجمع لأمن اللبس {جاثمين} أي: باركين على الركب ميتين فإن قيل: قال تعالى في الأعراف وههنا: فأخذتهم الرجفة وقال في هود: فأخذتهم الصيحة والحكاية واحدة؟ أجيب: بأنه لا تعارض بينهما فإن الصيحة كانت سببًا للرجفة لأنّ جبريل لما صاح تزلزلت الأرض من صيحته فرجفت قلوبهم، والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب.

فإن قيل ما الحكمة في أنه تعالى إذا قال فأخذتهم الصيحة قال في ديارهم وحيث قال فأخذتهم الرجفة قال في دارهم؟ أجيب: بأنّ المراد من الدار هو الديار والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون بلفظ الجمع وأن تكون بلفظ الواحد إذا أمن اللبس كما مرّ، وإنما اختلف اللفظ للطيفة وهي أنّ الرجفة هائلة في نفسها فلم تحتج إلى تهويلها، وأمّا الصيحة فغير هائلة في نفسها لكن تلك الصيحة لما كانت عظيمة حتى أخذت الزلزلة في الأرض ذكر الديار بلفظ الجمع حتى تعلم هيئتها، والرجفة بمعنى الزلزلة عظيمة عند كلامه فلم تحتج إلى معظم لأمرها، ولما كان معنى ختام قصة مدين فأهلكناهم عطف على ذلك المعنى قوله تعالى:

{وعادًا} أي: وأهلكنا أيضًا عادًا {وثمودًا} مع ما كانوا فيه من العتو والتكبر والعلوّ لأنّ من المقاصد العظيمة الدلالة على اتباع بعض هذه الأمم بعضًا في الخير والشرّ على نسق والجري بهم في إهلاك المكذبين وإنجاء المصدقين طبقًا عن طبق، وقرأ حمزة وحفص في الوصل وثمود بغير تنوين على تأويل القبيلة وفي الوقف بسكون الدال، والباقون بالتنوين وفي الوقف بالألف {وقد تبين لكم} أي: ما حل بهم من مساكنهم أي: ما وصف من هلاكهم وما كانوا فيه من شدّة الأجسام وسفه الأحلام وعلوّ الاهتمام وتقرب الأذهان وعظم الشأن عند مروركم بتلك المساكن ونظركم إليها في ضربكم في التجارة إلى الشام فصرفوا في الإقبال على الاستمتاع بالعرض الفاني من هذه الدنيا فأملوا بعيدًا وبنوا مشيدًا ولم يغن عنهم شيء من ذلك شيئًا من أمر الله {وزين لهم الشيطان} البعيد من الرحمة، المحترق باللعنة بقوّة احتياله ومحبوب ضلاله ومحاله {أعمالهم} أي: الفاسدة من الكفر والمعاصي فأقبلوا بكليتهم عليها {فصدّهم} أي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت