فهرس الكتاب

الصفحة 1397 من 2551

أجفانك إذا نظرت فوضع في موضع النظر، ولما كان الناظر موصوفًا بإرسال الطرف في نحو قوله:

*وكنت إذا أرسلت طرفك رائدًا ... لقلبك يومًا أتعبتك المناظر*

وصف برد الطرف ووصف الطرف بالارتداد، روي أن آصف قال لسليمان مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك، فمدّ سليمان عينيه فنظر نحو اليمين ودعا آصف فبعث الله تعالى الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يجدّون جدًا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان، وقال الكلبي: خرّ آصف ساجدًا ودعا باسم الله الأعظم فغار عرشها تحت الأرض حتى نبع تحت كرسي سليمان بقدرة الله تعالى، وقيل: كانت المسافة شهرين، وقال سعيد بن جبير: يعني من قبل أن يرجع إليك أقصى من ترى وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك، وقال قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مدّ البصر، وقال مجاهد: يعني: إدامة النظر حتى يرد البصر خاسئًا، قال الزمخشري: ويجوز أن يكون هذا مثلًا لاستقصار مدّة المجيء به، كما تقول لصاحبك افعل ذلك في لحظة وفي ردّ طرف والتفت ترني وما أشبه ذلك تريد السرعة انتهى.

واختلفوا في الدعاء الذي دعا به آصف: فقال مجاهد ومقاتل: بياذا الجلال والإكرام، وقال الكلبي: يا حيّ يا قيوم، وروي ذلك عن عائشة رضي الله عنها، وروي عن الزهريّ قال دعاء الذي عنده علم من الكتاب يا إلهنا وإله كل شيء إلهًا واحدًا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها، وعن الحسن يا الله يا رحمن، وقال محمد بن المنكدر إنما هو سليمان قال له عالم من بني إسرائيل آتاه الله تعالى علمًا وفهمًا أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك قال سليمان هات قال أنت النبيّ ابن النبيّ وليس أحد أوجه عند الله منك فإن دعوت الله كان عندك فقال صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.

قال الرازي وهذا القول أقرب واستدل لذلك بوجوه منها: أنّ سليمان كان أعرف بالكتاب من غيره لأنه هو النبي فكان صرف اللفظ إليه أولى، ومنها: أنّ إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية فلو حصلت لآصف دون سليمان لاقتضى ذلك قصور حال سليمان في أعين الخلق، ومنها: أنه قال هذا من فضل ربي فظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان.

{فلما رآه} أي: رأى سليمان العرش {مستقرًّا عنده} أي: حاصلًا بين يديه {قال} شاكرًا لربه لما آتاه الله تعالى من هذه الخوارق {هذا} أي: الإتيان المحقق {من فضل ربي} أي: المحسن إليّ لا بعمل أستحق به شيئًا فإنه أحسن إليّ بإخراجي من العدم ونظر إليّ بتوفيقي للعمل فكل عمل نعمة يستوجب عليّ بها الشكر، ولذلك قال {ليبلوني} أي: ليختبرني {أأشكر} فاعترف بكونه فضلًا {أم أكفر} بظني أني أوتيته باستحقاق.

تنبيه: ههنا همزتان مفتوحتان فنافع يسهل الهمزة الثانية، وابن كثير وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه، وأدخل بينهما ألفًا قالون وأبو عمرو وهشام، ولم يدخل ورش وابن كثير، ولورش أيضًا إبدالها ألفا، والباقون بالتحقيق وعدم الإدخال، ثم زاد في حث نفسه على الشكر بقوله {ومن شكر} أي: أوقع الشكر لربه {فإنما يشكر لنفسه} فإن نفعه لها وهو أن يستوجب تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وجلب للنعمة المفقودة {ومن كفر} أي: بالنعمة {فإنّ ربي} أي: المحسن إليّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت