تصغيرًا للبثهم وتحقيرًا له بالإضافة إلى ما وقعوا فيه من دوام العذاب قال بعضهم:
*لا أن أيام الشقاء طويلة
... كما أن أيام السرور قصار
وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين وترك الهمز بعدها وكذا يفعل حمزة في الوقف والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها ثم:
{قال} الله تعالى لهم على لسان الملك: {إن} أي: ما {لبثتم} أي: في الدنيا {إلا قليلًا} ، لأن الواحد وإن طال مكثه في الدنيا فإنه يكون قليلًا في جنب ما يلبث في الآخرة {لو أنكم كنتم تعلمون} أي: في عداد من يعلم في ذلك الوقت لما آثرتم الفاني على الباقي ولأقبلتم على ما ينفعكم ولتركتم أفعالكم التي لا يرضاها عاقل، ولكنكم كنتم في عداد البهائم، وقرأ حمزة والكسائي: قل؛ أمرًا، والباقون: قال؛ خبرًا، ولبثتم تقدم مثله، وتوجيه قال وقل، ثم وبخهم الله تعالى على تغافلهم بقوله تعالى:
{أفحسبتم أنما خلقناكم} على ما لنا من العظمة، وقوله تعالى: {عبثًا} حال أي: عابثين كقوله: لاعبين، أو مفعول له أي: ما خلقناكم للعبث، ولم يدعنا إلى خلقكم إلا حكمة اقتضت ذلك، وهي أن نتعبدكم ونكلفكم المشاق من الطاعات وترك المعاصي {و} حسبتم {أنكم إلينا لا ترجعون} في الآخرة للجزاء، وروى البغوي بسنده عن أنس «أن رجلًا مصابًا مرَّ به على ابن مسعود فرقاه في أذنه أفحسبتم إنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون، ثم ختم السورة فبرىء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو أن رجلًا موقنًا قرأها على جبل لزال» ، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء الفوقية وكسر الجيم، والباقون بضم الفوقية وفتح الجيم، ثم نزّه سبحانه وتعالى نفسه عما يقوله ويصفه به المشركون بقوله تعالى:
{فتعالى الله} أي: الذي له الجلال والجمال علوًا كبيرًا عن العبث، وغيره مما لا يليق به {الملك} أي: المحيط بأهل مملكته علمًا وقدرة وسياسة وحفظًا ورعاية {الحق} أي: الذي لا يتطرق الباطل إليه في شيء في ذاته ولا في صفاته فلا زوال له ولا لملكه {لا إله إلا هو} فلا يوجد له نظير أصلًا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فهو متعالٍ عن سمات النقص والعبث، ثم زاد في التعيين والتأكيد والتفرد بوصفه بصفة لا يدعيها غيره بقوله تعالى: {رب العرش} أي: السرير المحيط بجميع الكائنات التي تنزل منه محكمات الأقضية والأحكام ولذا وصفه بالكرم فقال: {الكريم} أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين، ولما بيّن سبحانه وتعالى أنه الملك الحق لا إله إلا هو أتبعه بأن من ادّعى إلهًا آخر، فقد ادعى باطلًا بقوله تعالى:
{ومن يدع مع الله} أي: الملك الذي لا كفء له {إلهًا آخر} يعبده {لا برهان له به} أي: بسبب دعائه بذلك إذا اجتهد في إقامة برهان على ذلك لم يجد، ثم ذكر أنّ من قال ذلك فجزاؤه العقاب العظيم بقوله تعالى: {فإنما حسابه} أي: جزاؤه الذي لا يمكن زيادته ولا نقصه {عند ربه} أي: الذي رباه ولم يربه أحد سواه الذي هو أعلم بسريرته وعلانيته، فلا يخفى عليه شيء من أمره، ولما افتتح السورة بقوله: {قد أفلح المؤمنون} ختمها بقوله: {إنه لا يفلح الكافرون} أي: لا يسعدون، فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة. ولما شرح الله تعالى أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة أمر الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام بالانقطاع إليه والالتجاء إلى غفرانه ورحمته بقوله تعالى:
{وقل رب} أي: أيها المحسن إليّ {اغفر وارحم} أي: أكثر من هذين