فهرس الكتاب

الصفحة 1167 من 2551

من قبل استنبائه أو بلوغه حيث قال: إني وجهّت وجهي {وكنّا به} ظاهرًا وباطنًا {عالمين} بأنه أهل لما آتيناه لأنه جبلة خير جامع لمحاسن الأوصاف ومكارم الأخلاق والخصال يدوم على الرشد ويترقى فيه إلى أعلى درجاته لما طبعناه عليه، وفي ذلك إشارة إلى أنه فعله تعالى باختيار وحكمة وأنه عالم بالجزئيات.

وتعليق {إذ قال} أي: إبراهيم {لأبيه وقومه} بعالمين إشارة إلى أن قوله لما كان بإذن منا ورضا لنا نصرناه وهو وحده على قومه كلهم، ولو لم يكن يرضينا لمنعناه منه بنصر قومه عليه وتمكين النار منه، ثم ذكر مقول القول في قوله: منكرًا عليهم محقرًا لأصنامهم {ما هذه التماثيل} أي: الصور التي صنعتموها مماثلين بها ما فيه روح الله جاعلين لها ما لا يكون إلا لمن لا مثل له وهي الأصنام {التي أنتم لها} أي: لأجلها وحدها مع كثرة ما يشابهها وما هو أفضل منها {عاكفون} أي: مقيمون على عبادتها فإن قيل: هلا قال عليها عاكفون، كقوله تعالى: يعكفون على أصنام لهم؟ أجيب: بأن اللام للاختصاص لا للتعدية، ولو قصد التعدية لعدّاه بصلته التي هي على، ثم إنه تعالى ذكر جوابهم له بما لزم الاستفهام عن السؤال بأنهم

{قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} فاقتدينا بهم لا حجة لنا غير ذلك فانظر ما أقبح التقليد وما أعظم كيد الشيطان للمقلدين حتى استدرجهم إلى أن قلدوا آباءهم في عبادة التماثيل وعفروا لها جباههم وهم معتقدون أنهم على شيء وجادّون في نصرة مذهبهم ومجادلون أهل الحق عن باطلهم وكفى أهل التقليد مسبة أن عبدة الأصنام منهم والتقليد إن جاز فإنما يجوز لمن علم في الجملة أنه على حق.

ولذا {قال} إبراهيم عليه السلام {لقد كنتم} وأكده بقوله: {أنتم} لأجل صحة العطف لأن الضمير المرفوع المتصل حكمه حكم جزء الفعل والعطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع ونحوه: {اسكن أنت وزوجك الجنة} (البقرة، 35) ، {وآباؤكم} أي: من قبلكم {في ضلال مبين} فبين أن المقلدين والمقلدين جميعًا منخرطون في سلك ضلال لا يخفى على من به أدنى مسكة لاستناد الفريقين إلى غير دليل بل إلى هوى متبع وشيطان مطاع لاستبعادهم أن يكون ماهم عليه ضلالًا بقوا متعجبين من تضليله إياهم.

فلذا {قالوا} ظنًا منهم أنه لم يقل لهم ذلك على ظاهره {أجئتنا} في هذا الكلام {بالحق} الذي يطابقه الواقع {أم أنت من اللاعبين} أي: تقوله على وجه المزاح والملاعبة لا على وجه الجد.

{قال} عليه السلام بانيًا على ما تقديره ليس كلامي لعبًا بل هو جد وهذه التماثيل ليست أربابًا {بل ربكم} أي: الذي يستحق منكم اختصاصه بالعبادة {رب السموات والأرض} أي: مدبرهنّ القائم بمصالحهنّ {الذي فطرهنّ} أي: خلقهنّ على غير مثال سبق وأنتم وتماثيلكم بما فيهما من مصنوعاته أنتم تشهدون بذلك إذا رجعتم إلى عقولكم مجرّدة عن الهوى وقيل: الضمير في فطرهنّ للتماثيل قال الزمخشري: وكونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم {وأنا على ذلكم} أي: الأمر البين من أنه ربكم وحده فلا تجوز عبادة غيره {من الشاهدين} أي: الذين يقدرون على إقامة الدليل على ما يشهدون به لم يشهدوا إلا على ما هو عندهم مثل الشمس لا كما فعلتم أنتم حين اضطرّكم السؤال إلى الضلال، ولما أقام البرهان على إثبات الإله الحق أتبعه البرهان على إبطال الباطل بقوله:

{وتالله} وهو قسم والأصل في القسم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت