خالط بعضه بعضًا من كثرته وتكاثفه كما قال تعالى: {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} (الحج، 5)
.وقيل: اختلط ذلك الماء بالنبات حتى روى واهتز ونما وكان حق اللفظ على هذا التفسير فاختلط بنبات الأرض لكن لما كان كل من المختلطين موصوفًا بصفة صاحبه عكس للمبالغة في كثرته ثم إذا انقطع ذلك بالمطر مدّة جف ذلك النبات {فأصبح هشيمًا} أي يابسًا متفرّقة أجزاؤه {تذروه} ، أي: تنثره وتفرّقه {الرياح} فتذهب به والمعنى أنه تعالى شبه الدنيا بنبات حسن فيبس فتكسر ففرّقته الرياح حتى يصير عما قليل كأنه بقدرة الله تعالى لم يكن وقرأ حمزة والكسائي بالتوحيد والباقون بالجمع {وكان الله} ، أي: المختص بصفات الكمال {على كل شيء} من دون ذلك وغيره إنشاءً وإفناءً وإعادةً. {مقتدرًا} أزلًا وأبدًا بتكوينه اوّلا وتنميته وسطًا وإبطاله آخرًا فأحوال الدنيا أيضًا كذلك تظهر أوّلًا في غاية الحسن والنضارة ثم تتزايد قليلًا قليلًا ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن ينتهي إلى الهلاك والفناء ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به.
تنبيه: قوله تعالى: {فأصبح} يجوز أن يكون على بابه فإنّ أكثر ما يطرق من الآفات صباحًا كقوله تعالى: {فأصبح يقلب كفيه} ويجوز أن يكون بمعنى صار من غير تقييد كقول القائل:
*أصبحت لا أحمل السلاح ولا
... أملك رأس البعير إن نفرا
ولما بيّن سبحانه وتعالى أنّ الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على الزوال والبوار والفناء بيّن بقوله تعالى:
{س18ش46/ش48 الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحياةِ الدُّنْيَا? وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَ? * وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى ا?رْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا? عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّة بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا}
{المال والبنون زينة الحياة الدنيا} إدخال هذا الجزئيّ تحت هذا الكلي فينعقد به قياس بين الإنتاج وهو أن المال والبنون زينة الحياة الدنيا ولما كانت زينة الحياة الدنيا سريعة الانقضاء والانقراض أنتج إنتاجًا بديهيًا أنّ المال والبنون سريع الانقضاء والانقراض وما كان كذلك فإنه ينتج بالعقل أن لا يفتخر به أو يفرح بسببه أو يقيم له في نظره وزنًا وهذا برهان ظاهر باهر على فساد قول أولئك المشركين الذين افتخروا على فقراء المؤمنين بكثرة الأموال. ثم ذكر تعالى ما يدل على رجحان أولئك الفقراء على أولئك الكفار من الأغنياء فقال: {والباقيات الصالحات خير} ، أي: من الزينة الفانية لأنّ خيرات الدنيا منقرضة منقضية وخيرات الآخرة دائمة باقية والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي وهذا معلوم بالضرورة لا سيما وقد ثبت أنّ خيرات الدنيا حقيرة خسيسة وأنّ خيرات الآخرة رفيعة شريفة.
والمفسرون ذكروا في الباقيات الصالحات أقوالًا أحدها أنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وزاد بعضهم ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وللغزالي في تفسير وجه لطيف فقال: روي أنّ من قال: سبحان الله حصل له من الثواب عشر حسنات فإذا قال: الحمد لله صارت عشرين فإذا قال: ولا إله إلا الله صارت ثلاثين فإذا قال: والله أكبر صارت أربعين وتحقيق القول فيه أنّ مراتب الثواب أعظمها هو الاستغراق في معرفة الله تعالى وفي محبته فإذا قال: سبحان الله فقد عرف كونه تعالى منزهًا عن كل ما لا يليق به وكل ما لا ينبغي فحصول هذا العرفان سعادة عظيمة وبهجة كاملة فإذا قال مع ذلك الحمد لله فقد أقرّ بأنّ الحق سبحانه وتعالى مع كونه منزهًا عن كل ما لا ينبغي فهو المبتدئ لكل ما ينبغي ولإفاضة كل