وها هي صفحة ناصعة من ورع صديق الأمة الأكبر - رضي الله عنه - ... عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال: أبو بكر وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أُحسن الكهانة، إلا أني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه» [1] .
ورع الفاروق عمر - رضي الله عنه -
وها هو الفاروق - رضي الله عنه - يسطر على جبين التاريخ صفحات مضيئة تتألق روعة وجمالًا وإجلالًا من الورع.
وإليكم جميعًا تلك المشاهد التي يعجز القلم عن وصفها أو حتى عن مجرد التعليق عليها.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قال: اشتريت إبلًا وسقتها إلى الحمى، فلما سمنت قدمت بها، فدخل عمر السوق، فرأى إبلًا سمانًا، فقال: لمن هذه؟ فقيل: لعبد الله بن عمر، فجعل يقول: يا عبد الله بخ بخ... ابن أمير المؤمنين ! فجئته أسعى، فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: ما هذه الإبل؟ قلت: إبل أنضاء (هزيلة) اشتريتها، وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون، فقال عمر: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين ! اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين ! يا عبد الله بن عمر ! خذ رأس مالك، واجعل الربح في بيت مال المسلمين [2] .
وعن مجهد قال: أنفق عمر بن الخطاب في حجة حجها ثمانين درهمًا من المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى المدينة، قال: ثم جعل يتأسف، ويضرب بيده على الأخرى، ويقول: ما أخلقنا أن نكون قد أسرفنا في مال الله تعالى [3] .
(1) أخرجه البخاري (3842) ، مناقب الأنصار.
(2) أخبار عمر رضي الله عنه (ص: 292) .
(3) أخرجه ابن الأثير في أسد الغابة (4/161) بسند صحيح.