الصفحة 632 من 917

تَعَلُّمُ كُتُبِهِمْ، وَالْبَحْثُ عَنْهَا، وَالرُّجُوعُ إِلَيْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ النَّصِّ فِي شَرْعِهِ، وَلَمَا تَوَقَّفَ عَلَى الْوَحْيِ فِي الظِّهَارِ وَاللِّعَانِ وَالْمَوَارِيثِ وَنَحْوِهَا، وَلَمَا غَضِبَ حِينَ رَأَى بِيَدِ عُمَرَ قِطْعَةً مِنَ التَّوْرَاةِ، وَلَكَانَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ غَضٌّ مِنْ مَنْصِبِهِ وَمُنَاقَضَةٌ لِقَوْلِهِ: «لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا لَاتَّبَعَنِي» [1] وَلَمَا صَوَّبَ مُعَاذًا فِي انْتِقَالِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى الِاجْتِهَادِ [2] لَا يُقَالُ: الْكِتَابُ تَنَاوَلَ التَّوْرَاةَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمْ يُعْهَدْ مِنْ مُعَاذٍ اشْتِغَالٌ بِهَا وَإِطْلَاقُ الْكِتَابِ فِي عُرْفِ الْإِسْلَامِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْقُرْآنِ.

وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلَيْنِ: بِأَنَّ اشْتِرَاكَ الشَّرِيعَتَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَنْفِي اخْتِصَاصَ كُلِّ نَبِيٍّ بِشَرِيعَةٍ اعْتِبَارًا بِالْأَكْثَرِ، وَعَنِ الْبَاقِي بِأَنَّهَا حُرِّفَتْ فَلَمْ تُنْقُلْ إِلَيْهِ مَوْثُوقًا بِهَا، وَالْكَلَامُ فِيمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْهَا كَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَحْكَامِهَا، وَإِذَا تَعَبَّدَهُ اللَّهُ بِهَا فَلَا غَضَّ وَلَا تَبَعِيَّةَ.

القول الثاني في المسألة: أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا، وقال به بعض الشافعية وبعض الحنابلة، واستدلوا على ذلك بعدد من الأدلة منها:

الدليل الأول: قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً} [المائدة:48] قالوا: فدل هذا على أن لكل نبي شريعة مستقلة به.

وأجيب عن هذا الاستدلال بأن توافق الشريعتين وتماثلهما في بعض أحكامهما لا ينفي كون كل نبي قد اختص بشريعة مستقلة به ولهذا إذا توافق

الصيام والصلاة مثلًا في بعض الأحكام لا يعني أن جميع أحكام الصلاة تطبق على الصيام وهكذا.

(1) أخرجه ابن أبي شيبة (5/ 312) وأحمد (3/ 387) .

(2) كما في قصة بعث معاذ إلى اليمن، سبق تخريجها ص (346) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت