ومنهم أيضًا اليهود لما استنكروا إنزال الكتب علي الأنبياء رد الله عليهم وأجاب عن شبهتهم بقوله سبحانه: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} [الأنعام:91] فدل ذلك على أن هذا اللفظ يفيد العموم ولو لم يكن مفيدًا للعموم لما صح الجواب عن شبهتهم بمثل هذا الجواب.
فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ تَقْتَضِي الْعُمُومَ وَضْعًا، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ أَوْ قَرِينَتُهُ عِنْدَنَا، وَقَالَتْ الْوَاقِفِيَّةُ: لَا صِيغَةَ لِلْعُمُومِ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ بِالْوَضْعِ لِأَقَلِّ الْجَمْعِ،
وهذه الألفاظ تفيد العموم عندهم بذاتها فإذا وردت لم يحتاجوا معها إلى دليل آخر يستنبطون منه أن هذا اللفظ يفيد العموم.
الدليل الثاني: أن صيغ العموم يحتاج إليها في جميع اللغات لأنه لا يمكن التنصيص على جميع الأفراد و بالتالي العادة دالة على أنه لابد أن يكون في كل لغة ألفاظ عموم تشمل الجميع لعدم إمكانية التنصيص على جميع الإفراد.
الدليل الثالث: أن أهل اللسان يفهمون من هذه الألفاظ العموم والكتاب والسنة نزلا بلغة العرب.
الدليل الرابع: وجود الاستثناء من أقسام الكلام السابقة والاستثناء من الشيء دليل على أن اللفظ المستثني منه مفيد للعموم.
القول الثاني: قال به الواقفية والمراد بالواقفية في هذا المبحث: الأشاعرة. قالوا: إنه لا صيغة للعموم، بمعنى أن الصيغة لا تدل على العموم بنفسها.
قلنا: إذا وردت هذه الألفاظ عندكم ماذا تعملون بها؟
قالوا: نحملها على أقل الجمع، فإذا قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [البقرة:21] نحملها على ثلاثة أشخاص، ثم بعد ذلك نقول: دلالة هذا اللفظ على ما زاد على الثلاثة محتملة, يمكن أن تدل ويمكن أن لا تدل فنحتاج إلى قرينة ودليل يدل على أن هذا اللفظ يراد به العموم.
هذا ما نقله المؤلف عنهم، وحقيقة مذهبهم أن هذه الألفاظ لا تدل على أي معنى بنفسها، إنما تدل على المعاني بحسب القرائن،