علي هذه المسألة انه ما دام قد جعل للزمان مقدارًا من الثمن، فان ذلك يكون ربا او له شبه بالربا لان الدائن حينها حط من الدين في مقابل ما تبقي من الاجل يكون قد جعل للزمان مقدارًا من الثمن.
وعلي ضوء هذا الشرح لاعتراض ابي هريرة فاني أقول الأتي:
1.إن الجزء الذي أسقطه الدائن من الدين في مقابل ما تبقي له من زمن سابقًا لا صلة له بالربا المعروف عند الفقهاء بضع وتعجل لان ذلك قد تم بين الدائن والورثة وهم غير مدينين للدائن ولا وجه لإلزامهم بالدين لأنه لم يلتزموه والوارث لا يقوم مقام مورثه فيما عليه من ديون بل محل ذلك التركة إذا خلف مالًا ثم أضف إلي ذلك أن الدين هنا قد حل بوفاة المدين وانتهي اجله أضف فلا يتعجله الدائن ما دام قد حل ولهذا فان الجزء الذي أسقطه الدائن من دينه او الزم علي إسقاطه وان كان مقرونًا عند الإسقاط بما تبقي له من اجل سابقًا بعيد كل البعد عن الربا المعروف عند الفقهاء بضع وتعجل وأما إذا تم ذلك بين الدائن والمدين واسقط الدائن جزءا من دينه مقابل اخذ باقية من المدين حالًا فان ذلك يكون ربا في قول جمهور الفقهاء لان صورة ضع وتعجل تنطبق عليه تمامًا وهذا خلافًا لما يراه ابن عباس وغيره من الفقهاء أو إذا الزم الدائن بترك جزء من دينه للمدين قبل وفاته واخذ باقية حالًا فلا يصح ايضًا سواء لشبهة الربا أو غيرها.
2.أما علي القول إن هذه المسألة شبيهة بالربا، لأنه قد جعل للزمان مقدارًا من الثمن فالدائن قد حط من الدين في مقابل ما تبقي له من زمن سابق قبل حلول الدين بالموت وفي هذه شبهة بالربا المتفق علي حرمته والمعروف عند الفقهاء انظرني ازيدك ففيه لما زاد له في الزمان زاد له عرضه ثمنًا وفي هذه المسالة قد حط له من الدين بقدر ما تبقي له من الزمن ففي كلا الموضوعين جعل للزمان مقدارًا من الثمن أقول إن هذه المسالة لا شبهة لها بذلك لأنها لقد تمت بين الورثة والدائن والزم بها الدائن لمصلحة الورثة ولا صلة للورثة بالدين في الحالين ثم إن اصل هذه المعاملة بين مؤجل الثمن وهو جائز عند الفقهاء ثم إن البيع كان مرابحة فكان الربح اصلًا فيه وبيع المرابحة جائز عند الفقهاء أضف إلي ذلك ايضًا أن ثم السلعة المؤجل يكون غالبًا أكثر من ثمنها الحالي فسبب الاجل كانت هنالك زيادة في الثمن والأجل له قدر من الثمن في هذه المبيوع ولم يري الجمهور من الفقهاء في ذلك ربا وعلي هذا الأساس فان الربح أو الزيادة عن الثمن الحالي موزعة علي مدة الاجل فمن العدل أن يسقط جزء من هذه الزيادة في مقابل ما تبقي من الاجل حتى لا يتضرر الورثة إلا أن الثمن الذي تقرر فيه ذما مورثهم قد حل بوفاته ولهذه قد نظر المتأخرون من الأحناف علي ما يترتب علي ذلك من ضرر علي الورثة بحلول الدين المؤجل الذي يؤخذ من تركة مورثهم التي آلت إليهم فأفتوا بإسقاط جزء من الدين (أي المرابحة) في مقابل ما تبقي من الاجل وعللوا ذلك بان فيه رفقًا للجانبين.
وهذه الفتوى خاصة بالحالة المذكورة وهي حالة الورثة فقط لان الدين قد حل قبل أوانه نسبة لوفاة المدين وشرطه أن يكون الدين ثمنًا لمبيع اجل ثمنه سواء أكان البيع مرابحة أو غيره فلا تشمل كل دين وكل مدين.
هذا: وقد استثني المالكية بعض الحالات وقالوا إن الدين المؤجل لا يحل بالموت فيها وهي:
1.إذا قتل الدائن المدين فان دينه المؤجل لا يحل لأنه لقد استعجله قبل أوانه فعوقب بالحرمان.
2.إذا اشترط المدين علي الدائن أن لا يحل الدين المؤجل الذي عليه بموته فيعمل بالشرط هذا ولا يحل الدين المؤجل بموته [1]
وقد استثني ايضًا الشافعية بعض الحالات وذكروا أن الاجل لا يحل فيه بالموت وهي:
1.المسلم إذا لزمته الدية ولا مال له ولا عصبة يحمل عنه بيت المال فلوا مات اخذ من بيت المال مؤجلًا ولا يحل فان الدية تلازم التأجيل [2]
2.إذا لزمت الدية في الخطأ أو شبه العمد الجاني كما لو اعترف وانكرت العاقلة فأنها تؤخذ من جانب مؤجله فلو مات هل تحل الدية حتى تؤخذ منه حينئذ؟ وجهان أصحهما نعم والثاني لا يحل بموته لان الدية يلازمها الاجل [3]
إذا ضمن دينًا مؤجلًا ومات الضامن لا يحل عليه الدين في وجهه وقد اصح خلافه ولو مات الأصيل حل عليه الدين ولا يحل علي الضامن علي الصحيح [4]
رأي الفريق الثاني:
المشهور والمختار عند الحنابلة أن الدين المؤجل لا يحل بموت المدينون إذا وثقهم الورثة أو وثقه غيرهم برهن أو كفيل مليء علي اقل الأمرين من قيمة التركة أو الدين وهو قول ابن سيرين وعبد الله بن الحسن واسحق وأبي عبيد [5] وقيل أن الاجل لا يحل بالموت مطلقًا وان
(1) . الخرشي: 5: 266، 267 وقد ورد فيه (000 ويستثني من الموت، من قتل مدينة فان دينه المؤجل لا يحل، لحمله علي استعجال ما اجل ... ومحل حلول الدين المؤجل بالموت او الفلس ما لم يشترط من عليه انه لا يحل عليه الدين بذلك والا عمل بشرطه .. ) وانظر ايضًا حاشية الدسوقي:3: 239.
(2) . قواعد الزركشي: 103 (حرف الدال) اسني المطلب: 2: 184 حاشية الشبراملسي بهامش نهاية المحتاج: 4:303 قال الشيراملسي: (وقد يقال لا تستثني هذه لانه انما نفي الحلول علي بيت المال وكلامهم في الحلول بموت من عليه الدين وفي هذه الصورة قد تعلق الدين ببيت المال فكأن من عليه الدين برئ حالة الموت)
(3) . القواعد للزركشي: 103 (مخطوط) (حرف الدال)
(4) . المصدر السابق.
(5) . المغني لابن قدامة:4: 327 كشاف القناع: 3: 438 الإنصاف للمرداوي الحنبلي:5: 307 وقد ذكر فيه: ان هذا هو المذهب وقال في القواعد الفقهية: هذا اشهر الروايتين وقال الزركشي: هذا المشهور والمختار للأصحاب من الروايتين وانظر ايضًا القواعد لابن رجب: 343 وانظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد:2:286 قال بن رشد وراي بعضهم انه ان رضي الغرماء بتحمله في ذممهم أبقيت الديون إلي اجلها وممن قال بهذا القول ابن سيرين واختاره ابو عبيد من فقهاء الامصار.