لأنه إذا باع دينًا بهذه الصفة، فلن يكون ثمة غرر ولا مخاطرة -حينئذ- كبيع المغصوب على قادر على أخذه (78) وبيع الآبق على قادر على رده (79) .
فإن قيل: ما الحكم إذا تعذر أخذ الدين في المدين؟
فالجواب: أن للمشتري الفسخ- حينئذ- قياسًا على بيع المغصوب على قادر على أخذه (80) فإنه إذا تعذر أخذه فللمشتري الفسخ، على المذهب (81) .
فإن قيل: فهل يجوز بيع دين مؤجل على الغير بدين مؤجل آخر؟ (82) .
فالجواب: لا، لا يجوز ذلك بالاتفاق (83) ، سواء باعه على من هو عليه، أو على الغير (84) ، لاشتغال الذمتين فيه بغير فائدة - كما تقدم في المطلب الأول-.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (لا يجوز باتفاقهم - يعني بيع الواجب بالواجب- لأن كلًا منهما شغل ذمته بما للآخر من غير منفعة وصلت لأحدهما، والمقصود بالبيع النفع) (85) .
وقال -رحمه الله-: (المقصود من العقود القبض، فهو - يعني بيع الواجب بالواجب- عقد لم يصل به مقصود أصلًا، بل هو التزام بلا فائدة) (86) .
وقال -رحمه الله-: (ففيه - يعني بيع الواجب بالواجب- شغل ذمة كل واحد منهما بالعقود التي هي وسائل إلى القبض، وهو المقصود بالعقد) (87) .
المطلب الرابع
القسم الرابع: بيع الواجب بالساقط
وهو: إسقاط دين ثابت في ذمة شخص، وجعله ثمنًا (رأس مال سلم) لموصوف في الذمة (مسلم فيه) مؤجلٍ معلومٍ (88) (89) .
قال ابن القيم -رحمه الله-: (كما لو أسلم إليه في كُرِّ - مكيال لأهل العراق- حنطة بعشرة دراهم في ذمته، فقد وجب له عليه دين وسقط عنه دين غيره) (90) .
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم -رحمه الله-: (بأن يكون لزيد على عمرو دراهم مثلًا فيجعلها رأس مال سلم في طعام ونحوه) (91) .
وهذا جائز -أيضًا- على الصحيح، لكن بشروط - كما سيأتي - لأنه لا دليل على المنع، والأصل حل البيع، ولأن ما في الذمة مقبوض للمدين.
قال ابن القيم -رحمه الله-: (وقد حكي الإجماع(92) على امتناع هذا، ولا إجماع فيه، قاله شيخنا (93) ، شيخ الإسلام ابن تيمية واختار جوازه (94) ، وهو الصواب، إذ لا محذور فيه، وليس بيع كالئ بكالئ- بيع الواجب بالواجب- فيتناوله النهي بلفظه، ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى، فإن المنهي عنه اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة) (95) .
ثم قال رحمه الله: (وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته، والآخر يحصل على الربح- وذلك في بيع العين بالدين- جاز أن يفرغها من دين ويشغلها بغيره، وكأنه شغلها بها ابتداء إما بقرض أو