وأمّا المسلمون عمومًا ـ لا فرق بين عالمهم وجاهلهم ـ فالثقة عندهم هو الذي يجتنب الكبائر، ولا يتعمّد الولوج في الصغائر، ولا يتظاهر بخوارم المروء ة، وإذا ارتكب كبيرةً وتظاهر بها، أو عُرفت عنه؛ فهو فاسقٌ لا يقبل حديثه مطلقًا بتاتًا، سواء كان صادقًا فيه أو لم يكن.
وعلي هذا اصطلح عباد الله تعالى في شرق الأرض وغربها، لأنّ الله تعالى يقول: {إن جاء كم فاسق بنبأً فتبيّنوا} [47] فأطلق سبحانه الأمر بالتبيّن في نبأ الفاسق، ولم يخصّ منه نوعًا دون نوعٍ.
وأوّل من أظهر هذه الزيادة ـ وهي أنّ الشيعيّ الثقة لا يقبل حديثه المؤيّد لمذهبه، وأدخلها في تقييد حديث الشيعيّ الثقة ـ أبو إسحاق الجوزجانيّ، وهو ناصبيٌّ مشهورٌ، له صولات وجولات وتهجّمات شائنةٌ في القدح في الأئمّة الذين وُصفوا بالتشيّع؛ حتّي دعاه ذلك إلي الكلام في أهل الكوفة كافّةً، وأخْذ الحذر منهم ومن رواياتهم، وهذا معروفٌ عنه، مشهورٌ به، حتّي نصّوا [48] علي عدم الالتفات إلي طعنه في الرجال الكوفيّين، أو من كان علي مذهبهم في التشيّع، لأنّه خارجٌ عن هويً وتعصّبٍ وغرضٍ.
ولأجل ذلك لم يَلتفت إلي زيادته هذه ـ في تقييد حديث الثقة الشيعيّ بأن لا يكون مؤيّدًا لمذهبه ـ أهلُ الحديث، ولم يعملوا بها، واقتصروا علي ما يشهد له العقل من وجوب قبول حديث الراوي إذا كان ثقةً ضابطًا، بدون أن يكون ذلك القبول مقيّدًا ببابٍ دون بابٍ، أو معنيً دون معنيً، لأنّ ذلك لا يتّفق مع شواهد العقل، وقواعد النقل.
والألبانيّ ـ لقصوره وجهله، وعدم اطّلاعه علي ما عليه العمل عند أهل الحديث؛ من قبول رواية الشيعيّ الثقة، وإن كانت موافقةً لمذهبه ـ صار يستند ويعتمد علي ما زاده الجوزجانيّ من هذا الشرط الباطل الذي لا يؤيّده عقلٌ ولا نقلٌ، فيضعّف الأحاديث بسببها، ويجعلها حجّةً علي الوضع، وكون الحديث كذبًا؛ كما فعل في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «أنا سيّد ولد آدم، وعليٌّ سيّد العرب» [49] ، فانّه حكم بوضعه في مقدّمةٍ كتبها لبعض الرسائل، مستدلًّا علي وضعه بأنّ روح التشيّع واضحةٌ في الحديث، ولا أدري أين هذا التشيّع الذي وضح له من الحديث!؟ مع أنّ الحديث له شواهدٌ وطرق [50] .
وعلي قوله هذا، وقاعدته الفارغة، ينبغي أن لا نقبل حديثًا في فضل عليٍّ عليه السّلام ـ ولو تواتر ـ لا سيّما إذا كان يُخبر بفضلٍ لعليٍّ لا يوجد لغيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، كحديث: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه؛ اللهمّ والِ من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره» .
وهكذا إذا اتّبع الإنسان كلَّ جاهلٍ، وأجاب كلَّ صارخٍ، ولم يُعمل النظر، ويبحث عن الأقوال قبل قائلها، فإنّه يردُّ السُنّة الصحيحة جملةً، ويُعطي ـ مع ذلك ـ السلاح لأعداء الدين، وملاحدة العصر في ردّ ما لا يعجبهم ويوافق هواهم من حديث سيّد المرسلين صلّي الله عليه و آله و سلّم.
وقوله: إنّ الصحابة كانوا يقولون في عهد أبي بكرٍ: أبو بكرٍ، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليٌّ، إذا اتّفق الصحابة علي هذا الترتيب، فإنّما كان ذلك في الخلافة، أمّا في التفضيل والفضل، فالخلاف في ذلك معروفٌ معلومٌ لكلّ من له علمٌ واطّلاع.
والمقصود بعد هذا؛ هو بيان أنّ ردّ حديث الثقة الشيعيّ ـ إذا كان يؤيّد مذهبه ـ لم يصدر إلّا من النواصب، ومَن لفّ حولهم، واختار قولهم، ودار في فلكهم.
وأمّا أهل الإنصاف، من أئمّة الحديث ـ سلفًا وخلفًاـ فلا يقولون بهذا الهُراء الذي لا طائل تحته، والذي يدلّ علي التخريف والتحريف، ولهذا احتجّ الشيخان بما رواه الشيعة الثقات من الأحاديث التي تؤيّد مذهبهم، كحديث: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسي» فقد رواه البخاريّ من طريق عبيدالله بن موسي العبسيّ، وقد كان شديد التشيّع [51] .
وكذلك حديث: «لا يحبّك إلّا مؤمنٌ، ولا يبغضك إلّا منافق» رواه مسلمٌ في «صحيحه» [52] من طريق عديّ بن ثابت، وقد كان شيعيًّا غاليًا، بل كان داعيةً [53] .
وتبعهم علي ذلك بقيّة الأئمّة الذين جمعوا الصحاح، وألّفوا السنن، فقد رووا في هذه المصنّفات العددَ الكثيرَ من حديث الشيعة فيما يؤيّد مذهبهم، وصرّحوا بصحّتها أو صحّة أكثرها.
وكلّ هذا يدلّ علي أنّ ما زاده الجوزجانيّ، وتبعه عليه الجهلة من النواصب ومبغضي آل البيت؛ من كون حديث الشيعيّ الثقة لا يُقبل إذا كان يؤيّد مذهبه، وينصر رأيه؛ باطلٌ لا أصل له، ولا يشهد له عقلٌ، ولا يؤيّده نظر.
ولولا ضيق الوقت لذكرنا العدد الكبير من الأحاديث التي رواها الشيعة الثقات فيما يؤيّد مذهبهم، وصحّحها الأئمّة، وأخرجوها في كتبهم، ولعلّنا نجد فرصةً لتفصيل الكلام في هذا الموضوع تفصيلًا كافيًا لذوي الإنصاف، رادعًا لأهل الاعتساف.
أمّا هذا الجزء ؛ فقد كتبته عن عجلٍ تلبيةً لرغبة بعض الإخوان في التعجيل ببيان فساد دعوي المتطفّل ـ فيما زعمه ـ في الاعتراض عليَّ في توثيق الحارث بن عبدالله الهمدانيّ.
(47) سورة الحجرات: آية 6.
(48) لسان الميزان: 1 / 16.
(49) المستدرك علي الصحيحين: 3 / 124.
(50) وقد ردّ عليه العلّامة المحدّث السيّد عبدالله بن محمد بن الصدّيق ـ شقيق المصنّف رحمهما الله تعالى ـ في «القول المقنع في الردّ علي الألبانيّ المبتدع» .
(51) هدي الساري: 444 ـ تهذيب التهذيب: 4 / 36 ـ 37.
(52) صحيح مسلم: 1 / 86 عن علي عليه السّلام بلفظ: لا يحبّني إلّا مؤمن ولا يبغضني إلّا منافق.
(53) هدي الساري: 446 ـ تهذيب التهذيب: 4 / 107.