الصفحة 11 من 13

فردّ حديث الشيعيّ الثقة مفسدةٌ بيِّنةٌ ـ كما قال الذهبيّ رحمه الله تعالى ـ لما يترتّب علي ذلك من ذهاب جملةٍ من الأحاديث النبويّة، فلهذا كان عمل أهل الحديث ـ سلفًا وخلفًا، وفي مقدّمتهم: البخاريّ ومسلم ـ علي الاحتجاج بحديث الشيعيّ الثقة.

فمن رَدَّ حديثه، ورأي توثيقه منكَرًا، وعملًا غير مشروعٍ، وأمرًا لا يجوز؛ فهو شاذٌ، خارجٌ عن إجماع أهل الحديث؛ فلا يُعتبر به، ولا يلتفت إلي كلامه، وصدور ذلك منه يدلّ علي قصوره في علم الحديث، وعدم معرفته بما أجمعوا عليه من مسائله بينهم.

ويكفي في الدلالة علي أنّ الشيعيّ محتجٌّ بحديثه، مقبولُ الرواية ـ إذا كان ثقةً ـ وأنّ هذا هو الذي عليه جماعةُ أهل الحديث، واتّفقت الأمة معهم في ذلك؛ إخراج البخاريّ ومسلمٍ لحديثه، فإنّ ذلك دليلٌ علي إطباق الأمة ـ سلفها وخلفها ـ علي الاحتجاج بالشيعيّ، لإطباق الأمّة علي قبول حديث الصحيحين، والاحتجاج بهما، والحكم عليهما بأنّهما أصحّ الكتب بعد القرآن [42] .

فهذا ـ وحده ـ كافٍ في كون الشيعيّ الثقة مجمعًا علي الاحتجاج به، مقبولَ الرواية، ومن خالف ذلك فقد خرج عن هذا الإجماع، وسلك غير سبيل المؤمنين، وفتح بابًا للطعن في هذا الإجماع ووردّ ما أجمعت الأمّة علي قبوله، والله تعالى يقول: {وَمَنْ يَتَّبعْ غَيْرَ سَبيلِ المؤمنينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّي ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ} [43] وكفي هذا فسادًا لقول الألبانيّ في الاعتراض علي توثيق الحارث الشيعي.

قال الحافظ رحمه الله تعالى في مقدمة «الفتح» [44] : ينبغي لكلّ منصفٍ أن يعلم أنّ تخريج صاحب الصحيح لأيّ راوٍ كان مقتضٍ لعدالته عنده، وصحّة ضبطه، وعدم غفلته؛ ولاسيّما ما انضاف إلي ذلك من إطباق جمهور الأئمّة علي تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنيً لم يحصل لغير مَن خُرّج عنه في الصحيح، فهو بمنزلة إطباق الجمهور علي تعديل مَن ذكر فيهما.

ثم قال ـ بعد كلامٍ ـ: وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسيّ يقول في الرجل الذي يُخرّج عنه في الصحيح: هذا جاز القنطرة، يعني بذلك أنّه لا يُلتفت إلي ما قيل فيه.

وقال الشيخ أبو الفتح القُشَيْريّ في مختصره: وهكذا نعتقد، وبه نقول، ولا نخرج عنه إلّا بحجّةٍ ظاهرةٍ، وبيانٍ شافٍ يزيد في غلبة الظنّ علي المعني الذي قدّمناه من اتّفاق الناس ـ بعد الشيخين ـ علي تسمية كتابيهما بالصيحيحن، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما.

ثم قال الحافظ: قلت: فلا يُقبل الطعن في أحدٍ منهم إلّا بقادحٍ واضحٍ، لأنّ أسباب الجرح مختلفة... إلي آخر كلامه.

وهو دالٌّ علي أنّ التشيّع لا دخل له في عدالة الراوي، ولا علاقة بضعفه، وأنّه إذا ثبت براء ة الشيعيّ من الكذب والغفلة، فحديثه صحيحٌ يُحتجّ به ـ ولو كان غاليًا في التشيّع ـ فإنّ ذلك لا يضرّه أيضًا في العدالة، لأنّ الغلوّ في التشيّع ليس مفسّقًا لصاحبه، ولا يُعدّ به من المبتدعة الخارجين عن الجماعة ـ كما بيّن ذلك الحافظ في مقدّمة «الفتح» ـ بل أغلب التابعين كان علي هذا ـ كما قال الذهبيّ ـ ومع ذلك ما ردّ حديثهُم أحدٌ، وفي الصحيحين أحاديث كثيرةٌ من رواية أهل الغلوّ في التشيّع.

وبذلك يكون ـ أيضًا ـ إجماع الأمّة علي قبول حديث الشيعيّ الغالي في التشيّع ـ كما تقدّم في كلام الحافظين ابن دقيق العيد، وابن حجرٍ رحمهما الله تعالى ـ.

وذكر الذهبيّ في ترجمة أبي أحمد الحاكم من «تذكرة الحفّاظ» [45] : قال أبو أحمد الحاكم: سمعت أبا الحسين الغاري يقول: سألتُ البخاريَّ عن أبي غسّان، فقال: عمّ تسأل عنه؟

قلت: شأنه في التشيّع، فقال: هو علي مذهب أئمّة أهل بلده الكوفيّين، ولو رأيتم عبيدالله، وأبا نعيم، وجميع مشايخنا لما سألتمونا عن أبي غسّان.

قلت: ولو تتبّعت تراجم أئمّة الكوفة لما وجدتَ واحدًا منهم لم يوصف بالتشيّع، وأغلبهم له روايةٌ في الصحيحين، بل منهم من كان من سادات أهل الحديث، ورؤوس محدّثي الكوفة، مثل: أبي إسحاق السبيعيّ، والأعمش، ومنصور بن زبيد، والشعبيّ، وإن كان الذهبيّ يقول في حقّ الشعبيّ: إنّ تشيّعه يسيرٌ، كما نقل ذلك صاحب «الروض الباسم، في الذب عن سُنّة أبي القاسم» [46] عن «النبلاء» للذهبيّ، أنّه قال: روي الشعبيّ عن حذيفة أنّه تكلّم في أبي موسي بكلامٍ يقتضي أنّه منافقٌ، ثمّ قال: في الشعبيّ تشيّعٌ يسيرٌ.

وقول من قال: إنّ الشيعيّ يُقبل حديثه فيما لا يؤيّد مذهبه، ولا يوافق رأيه؛ باطلٌ أيضًا.

فالعمدة في الرواية علي العدالة والضبط، فإذا ثبتا في الراوي فلا معني للنظر في شي ءٍ زائدٍ عنهما، إلّا التعنّت والتمحُّل في ردّ ما لا يوافق الهوي.

ولا يجوز في العقل أن يكون الرجل حجّةً ثَبْتًا ثقةً في حديث، ويكون في الوقت نفسه كذّابًا، متّهمًا، باطلَ الرواية في حديثٍ آخر، والثقة ـ علي هذه الصورة ـ لايوجد إلّا في مخيّلة النواصب، ومن تبعهم من الجهلة.

(42) شرح صحيح مسلم للنووي: 1 / 20.

(43) سورة النساء: 115.

(44) هدي الساري ـ مقدمة فتح الباري: 403.

(45) تذكرة الحفاظ: 3 / 978.

(46) الروض الباسم: 1 / 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت