الصفحة 1 من 13

بيان نكث الناكث المتعدّي بتضعيف الحارث

للشريف عبدالعزيز بن الصدّيق الحسنيّ الغُماريّ المغربيّ

الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتّقين، ولا عدوان إلّا علي الظالمين، والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين، سيّدنا ومولانا محمدٍ، وعلي آله الطاهرين الأكرمين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلي يوم الدين.

وبعد:

فقد قرأت كلامًا للألبانيّ في مقدّمةٍ لكتابٍ علّق عليه، يقول فيه في حق كتابي: «الباحث، عن علل الطعن في الحارث» [1] بعد كلام دعاه إليه حبّ الشَّغْب والخصام، وحَمَله عليه ما عُرف به واشتُهر عنه من تسليط لسانه الأعجميّ علي عباد الله تعالى بدون ذنبٍ اكتسبوه، ولا إثمٍ اقترفوه، حتّي امتدّ منه ذلك إلي أئمّة السَلَف، وأصحاب المذاهب المتبوعة شرقًا وغربًا، المشهود لهم بالفضل والدين بين الخاصّ والعامّ، والمتّفق علي جلالتهم في العلم، وعلوّ درجتهم في الاجتهاد، وعظيم مكانتهم في خدمة الإسلام والمسلمين ـ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة في مقدّمة كتابه النفيس: «رفع الملام عن الأئمّة الأعلام» ـ وتطاول به علي مقام أكابر الحفّاظ، كالمنذريّ الحافظ المتقن ـ رحمه الله تعالى ـ وغيره، بدون أدني سببٍ يوجب ذلك التطاول علي مقامهم في خدمة الحديث النبويّ.

وكتبه لا تخلو من التهجّم علي الأئمّة من السلف والخلف، الأمر الذي يدلّ علي شي ءٍ في نفسه ـ والله تعالى أعلم بمراده منه ـ وإلّا فلو كان غرضه بيان الحقيقة، ونشر العلم، وتعريف الناس بصوابِ مَن أخطأ، لسلك في ذلك مسلك المخلصين من أهل العلم الناصحين، ولاتّبع طريقهم في التعليم والتبليغ، ونهج ما كانوا عليه من القول الحسن، والجدال بالتي هي أحسن.

لأنّ مرادهم ـ رضي الله تعالى عنهم ـ كان هو ردّ الحقّ إلي نصابه، والتعريف بما يجب الأخذ به، وكلّ ذلك لا يحتاج إلي الطعن، والقدح، والذمّ، وجلب العبارات الشائنة المشينة، وأهل الإخلاص من أهل العلم بُرآءُ من هذه الصفات الذميمة، لأنها من صفات النفاق ـ نسأل الله السلامة منها لنا ولإخواننا ـ كما ورد في الحديث ـ في بيان آية المنافق ـ: «وإذا خاصم فجر» [2] .

وقال الشاعر:

إنّ المنافقَ معلومٌ سجيّته ... هَمْزٌ ولَمْزٌ وإيماءٌ وإغماضُ

والمقصود: أنّ الألبانيّ قال ـ بعد كلامٍ في تلك المقدّمة في شأن كتابي «الباحث، عن علل الطعن في الحارث» ـ ما نصّه: حتّي إنّ أحدهم ألّف رسالةً خاصّةً في توثيق الحارث الأعور الشيعيّ.

فدلَّ هذا الكلام منه علي أمرين، أبان بهما عن جهلٍ عظيمٍ، وقصورٍ فاضحٍ.

أما الجهل: فما يَفهم منه القاصر في العلم من أنّي تفرّدت بتوثيق الحارث الأعور الهمدانيّ، وخرجت بذلك عن سبيل أهل الحديث، وسلكت غير الجادّة بتوثيقه.

ومن طالع كتابي «الباحث» يعلم بطلانه وفساده، وبُعده عن الحقيقة، وأنه كلامٌ الغرض منه الشَغْب، والرغبة في الجدال، ونشر الخصام بين الناس بدون أدني فائدةٍ تعود علي أحدٍ من أهل العلم من ذلك.

لأنّ الحارث الأعور الهمدانيّ ـ الذي وثّقته وبيّنت بطلان جرح من جرحه ـ مَثَلَه مَثَل سائر رواة الصحيح الذين اختلف فيهم أئمّة الجرح، ما بين مادحٍ وقادحٍ، ومجرّحٍ وموثّقٍ ـ كما يعلم ذلك من تتبّع أحوال رجال الصحيحين، وكما أشرت إلي بعض الأمثلة في ختمة كتاب «الباحث» ـ.

بل من يتتبّع أحوال الرجال، ويطّلع علي كتب الجرح والتعديل، يحصل عنده العلم اليقين أنّه لا يوجد راوٍ ـ مهما علا قدره، وسَمَت منزلته ـ لم يتناوله جَرْحٌ، ولو بالتدليس مثلًا.

حتّي قال بعضهم: من أخذ بالقواعد المصطلح عليها في راوي الحديث الصحيح لم يمكنه أن يصحّح إلّا الحديث بعد الحديث، لعدم سلامة راوٍ ـ مطلقًا ـ من جرحٍ وتضعيفٍ، ولو بأقلّ وجوه الجرح ـ كما قلنا ـ وأضعفها.

وإذا كان هذا حال سائر الرواة إلّا النادر منهم جدًّا، فلا ينبغي أن يحمل باللوم علي من اختار توثيق الحارث، لا سيّما إذا كان ذلك الاختيار مبنيًّا علي القواعد المقرّرة عند أئمّة الحديث، ومدعمًا بالأدلّة السالمة من الوهن والضعف، كما بيّنت ذلك في «الباحث» ، ذلك الكتاب الذي أُعجب به كلّ من قرأه من أهل العلم السالمين من داء الشَّغْب والشغف بنشر الخلاف بين المسلمين في الوقت الذي هم فيه أحوج ما يكونون إلي الوفاق والالتئام والوئام، وجَمْع الكلمة علي خدمة الإسلام، وتوحيد القلوب علي صدّ الهجمات والغارات الموجّهة من أعداء الإسلام ضدّ المسلمين في شرق الأرض وغربها، وطرح التُرّهات والخُزَعْبَلات التي يراها الجاهلون ومن في قلوبهم مرضٌ أنّها من صميم الدين، وليست من الدين لا في قَبيلٍ ولا في دَبيرٍ، وإنّما أثارها المثيرون، وأخرجها المضلّون من زوايا الإهمال، ومخابئ النسيان، تلبيةً لنداء الشرّ، وإجابةً لدعوة الشيطان في التفرقة، ورفع لواء التنافر والتناحر، وإيغار الصدور بين أهل لا إله إلّا الله، ليسهل اجتياحهم علي عدوّهم، والقضاء عليهم في عُقْر دارهم، رغم ما هم فيه من بلاءٍ.

(1) هو الذي نشرناه في العدد السابق (الخامس) من مجلتنا «علوم الحديث» الصادر في محرم الحرام ـ جمادي الآخرة هذا العام 1420هـ، وقد تحدّثنا عن الكتاب وعن المؤلّف هناك. و نذكّر بأنّ مصادر التخريجات لهذا الكتاب ذكرت في نهاية كتاب الباحث في العدد السابق أيضًا.

(2) صحيح البخاري: 1 / 15 ـ صحيح مسلم: 1 / 78.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت