الصفحة 30 من 40

فأيُّ مصيبة أعظم من هذه في إضلال عباد الله ؟ فالواجب على من قدر على هؤلاء ـ الذين هم كالأَكَلَة في جَنْبِ الدين ـ أن يمنعهم ويحول بينهم وبين ما هم بسبيله وأن يُجليهم عن موضعه ، فهو في ذلك مجاهد مأجور ، فمفاسدُهم متعددة دينًا ودنيا . قال بعض الحكماء لتلامذته: كونوا كالنحل في الخلايا , قالوا كيف النحلُ في الخلايا ؟ قال: إنها لاتترك عندها بطالًا إلا نفته و أقصته عن الخلية لأنه يُضيّق عليهم المكان ويأكلُ العسل ويعلّمُ الكسل . فهؤلاء القوم هذه صفتهم ، لأنه لا نفْعَ بهم ، فهم يُضيّقون على الناس في المساكن ، ويَأكلون أرزاقهم بغير حق ، ويعلّمونهم الكسل ، وتَرْكَ الحِرَف ، والاتِّكال على ما في أيدي الناس ، وهم بمنزلة الربيع في أثناء الزرع يُضيّقُ المكان ، ويستبدُّ بالماء ، ويفسد الزرع ، فلذلك يُقلع ويرمى به . ...

وأمّا حضور الفقهاء معهم وقولهم لو كنّا على غير طريقة مرْضيّة لما حضرها الفقهاء معنا . فيُقال: إنّ حضور الفقهاء معهم ليس بدليل على الجواز ، ولا عدمه دليلٌ على المنع ، ولا يُعرفُ الحقُّ بالرجال ، بل الرجالُ يُعرفون بالحق ، فالفقيه إذا حضَرَ معهم ووافق واستحسن فعلهم فهو مثلهم بل هو شرٌّ منهم وهو باسم الفسق أولى منه باسم الفقه . وإنْ حضرَ ليرى تلك الطريقة وما تنطوي عليه حتى يحكُمَ بما يشاهد من أحوال أهلها ، ثمّ بعد ذلك يحكم عليها بما يقتضيه الفقه ، فحضوره حسن . وإنْ كان حضوره على جهة تفريج النفس ، كما يحضُر الإنسان مجالس اللهو واللعب ، فإنْ تكرر ذلك منه على هذا الوجه ، فذلك مسقطٌ لعدالته . وإن كانت فلتة فلْتُقَل عثرته ولا يَعُدْ للحضور معهم فيكون مثلهم على ما أشار إليه قوله تعالى: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيره إنّكم إذًا مثلهم } . فمن كثَّرَ سواد قومٍ فهو منهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت