فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 9

لماتوا ورأوا مقاعدهم في النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لرجعوا لا يجدون مالًا ولا أهلًا « (2) .

وعن ابن عباس قال: قال الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (( قُلْ إن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) )أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك، ولو تمنوه يوم قال ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات.

وقال ابن عباس أيضًا: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بِرِيقِه، ولو تمنى اليهود الموت لماتوا (3) .

لقد فضحهم الله بهذه الآيات، خاصة أحبارهم وعلماءهم الذين يعرفون رسول الله كما يعرفون أبناءهم، وكأنه يقول لهم: إن كنتم محقين فتمنوا الموت، فإن ذلك غير ضاركم إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنزلة من الله، بل إن أعطيتم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته إن كان الأمر كما تزعمون من أن الدار الآخرة لكم خالصة دوننا، وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المحقون ونحن المبطلون في دعوانا، فامتنعت اليهود من إجابة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك لعلمها أنها إن تمنت الموت هلكت، فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها.

وهذه المباهلة بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين يهود لم تكن باللعنة بل بالموت؛ لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولأن الحياة عند اليهود عزيزة عظيمة فهم يخافون الموت لما يعلمون من سواء مآلهم بعده، ولو كانوا واثقين من الآخرة أنهم من أهل الجنة لما فَرَقوا من الموت وخافوه، وأيضًا لو كانوا واثقين من صواب وصدق ما هم عليه من دين لما نكلوا عن المباهلة، لكنهم يعلمون صدق نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- وزيف ما يدعونه من تمسك بالتوراة ولذا كان أملهم في الآخرة معدومًا وتمسكهم بالحياة مضرب المثل، وهذا ما يؤكد قوله تعالى: (( ولَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ومِنَ الَذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ومَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ ان يُعَمَّرَ واللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) )نعم يحرصون على"حياة"أي حياة، سواء كانت ذليلة ومهينة أو كانت كريمة، لا يهمهم نوع الحياة ولا صفتها بقدر ما يهمهم بقاء الحياة والسلامة من الموت، فالموت يخيفهم ويرهبهم، فبه تنقض ملذات الحياة الدنيا ويبدءون مرحلة جديدة في عذاب الآخرة.

لقد كانت دعوتهم تلك - بأن الآخرة لهم خالصة من دون المؤمنين -التي أطلقوها لخلخلة الصف المسلم وإضعاف ثقة المؤمنين في نبيهم وفي دينهم وفيما يعدهم به من الجنة والنعيم المقيم في الآخرة، فإذا كان اليهود صادقين فيما ادعوه، ونشروه في المجتمع المسلم من أن الآخرة لهم فقط وليس للمسلمين فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت