زّعَمَ الغرابُ بأنّ رِحلتَنا غدًا ... وبذاك خبَّرَنا الغدافُ الأسودُ [1]
نجد في هذه القصيدة وصفًا دقيقًا للمحاسن الجسدية في المحبوبة، كما في قوله:
نظرتْ بمقلةِ شادنٍ مُتَرَبِّبٍ ... أحوى أحمِّ المقلتين مقلَّدِ ...
ذ
والنّظمُ في سِلكٍ يزيّنُ نحرَها ... ذهب توقَّد كالشّهابِ المُوقَّد
صفراءُ كالسِّيراءِ أكمل خلقها ... كالغُصنِ في غُلَوائه المتأوِّدِ [2]
ويواصل الشاعر وصف محبوبته بكلّ دقّة ممّا يؤكّد أنّ هذه القصيدة مخصّصة لغرض الغزل.
أمّا قصيدته الهجائية التي مطلعها:
نبئتُ زُرْعَةَ والسَّفاهَة كاسمها ... يهدي إليَّ غرائبَ الاشعارِ [3]
ذ
فقد قالها الشاعر ردًّا على توعّد زرعة بن عمرو بن خويلد الّذي لقيه بعكاظ وطلب من النابغة ترك حلف بني أسد، وعندما رفض النّابغة توعده زرعة فقال هذه القصيدة نتيجة فورة عاطفية ذاتية يطغى فيها التعنيف والتحذير، وهذا شيء لا يحتاج إلى مقدّمات، ولا يحتمل التأجيل فجاءت هذه القصيدة دون مقدّمات أو رحلة، فهذا ما يؤيّد أنّ انشاد القصيدة نزف داخليٌّ في الشاعر لا يحدّد ساعة حدوثه ولا يستطيع إيقافه [4] .
أمّا قصيدته في مدح النُّعمان بن الحارث الّتي مطلعها:
إنّي كأنّي لدى النّعمانِ خّبَّرَهُ ... بعضَ الأَوُدِّ حديثًا غيرَ مكذوبِ [5]
ذ
فإنّ احتمال سقوط مقدّمتها ورحلتها يظلّ واردًا، ولكن هناك دلائل في هذه القصيدة ومناسبتها تقرّبها من الهم الّذي لا يحتمل عادةً مقدمات، فالنابغة في هذه القصيدة يعترف للنعمان بخطأ بني فزارة وبني أسد، ويمدحه حتّى يخرج أسارى بني أسد، فعاطفة الشاعرموزعة بين عتاب قومه، واستعطاف الملك من خلال مدحه وذكر قوته وشجاعته، وهذا موقف يختلف عن مواقف قصائد النابغة التكسبيّة في المدح والّتي تبدأ عادةً بمقدمات ثم رحلة.
2 -بنية القصائد ذوات الموضوعات المتعددة:
ونعني بهذا النوع القصائد الّتي تحتوي على مقدمة ورحلة، (وصف الناقة وتشبيهها بحيوان) وغرض، أو القصائد الّتي تحتوي على مقدمة وغرض، أو القصائد الّتي سقط منها
(1) ديوان النابغة الذبياني: 89.
(2) م. ن: 91.
(3) م. ن: 54.
(4) نقد الشعر في المنظور النفسي: 47.
(5) ديوان النابغة الذبياني: 49.