إنه لا غنى بأهل عصر من الأعصر المتوسطة والمتأخرة عن علم السلف الصالح، بل إن النصائح والوصايا في باب الزهد والتربية لا يكاد يحسنها سواهم، فلا يحسن منا سوى أن نُعنَى بكلامهم في هذا الباب جمعًا وحفظًا وسمعًا وفهمًا وتأليفًا وتوضيحًا وتصنيفًا وتنقيحًا، وأما الإضافة إليه أو الاستدراك عليه أو المخالفة له أو الاستغناء عنه فهيهات؛ لقد كان كلامهم قليلًا مباركًا كثير النفع وأما كلام الخلف فكثير قليل النفع؛ ولقد كان السلف يتكلمون بكلام كأنه الدر فتكلم أقوام من بعدهم بكلام يخرج من أفواههم كأنه القيء
يا باريَ القوسِ بريًا ليس يُحْكِمُهُ
لا تُفسِدِ القوسَ واعطِ القوسَ باريها
اللهم انفعنا بما نسمع وبما نقرأ وبما نقول وبما نكتب واجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه ولا تجعل حظنا من الحكمة ونصيبنا من الموعظة الإعجاب بها دون المصير إلى حقها والقيام بواجبها، ولا تجعل حظنا من الكتب جمعها وحفظها دون المجاهدة فيها بفضلك وسعة رحمتك، اللهم لا تمقتنا لكثرة كلامنا وقلة عملنا وكثرة جمعنا وطول أملنا، ولكن أصلحنا وتقبل منا واقبلنا وعافنا واعف عنا واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم وبارك لنا في هذه الجهود اليسيرة إنك شكور كريم (1)
(1) تنبيهات:
الأول: اعتمدت في هذا العمل طبعة دار الكتب العلمية المنشورة سنة 1410 هجرية بتحقيق محمد السعيد بن بسيوني زغلول ، ولم يكن عندي يومئذ سواها ، ثم إنني اعتمدت في أصل عملي على نسخة قرص (المكتبة الألفية) ، وأنا أعلم أن النسخة الألكترونية فيها كثير من الأخطاء فوق الأخطاء التي في الأصل أعني (مطبوعة الكتاب) ، وقد تيسر لي وقت لمقابلة بعض الكتاب بالأصل المطبوع دون باقيه ، وكنت أنتظر أن يتيسر لي الوقت لمراجعة الكتاب كله ومقابلته على المطبوعة المذكورة ، ثم وقفت على طبعة الرشد فاشتدت رغبتي في مقابلة الكتاب (أعني هذا المختصر) عليها ، ولكن طال انتظاري للفرصة ولم أظفر بها ، فالمشاغل كثيرة والهموم متراكمة متراكبة ، والله المستعان ؛ ولذلك رأيت أن أنشر بين إخواني هذا الكتاب على حاله ، وليصحح امرؤ نسخته بمقابلتها على طبعة الرشد ، فهي أفضل من الأخرى ، أو يقتصر على ما في الكتاب وينتفع به على حاله ، ففيه خير كثير وأخطاؤه قليلة غير مانعة من الانتفاع به ولا سيما في باب الوعظ والدعوة والخطابة ونحوها .
وإني لأرجو أن ييسر الله لي مزيدًا من تصحيح الكتاب ثم ييسر طباعته ليعم النفع به ، ومن الله التوفيق .
الثاني: كل اختصارات صيغ التحديث مثل (ثنا) و (أنا) ونحوها أرجعتها إلى أصلها وذلك جائز عندي ولا سيما في مثل هذا الكتاب الفرعي، وفيه تسهيل على من يطالع الكتاب.
الثالث: وردت بعض الآثار على هذا النحو:"عن عمرو: فعل زيد كذا"فزدت في بعضها كلمة (قال) بعد"عمرو"دون الإشارة إلى أني زدتها، فإني أرى الأمر في ذلك واسعًا ولا حاجة في مثله إلى التنبيه على الزيادة.