الفرد وكيمياء جسمه!!
إلا أننا وجدناهم يستقبحون الفراسة في القضاء والقاضي، لما لها من عواقب سيئة ضارة على سلامة حكمه وحياده الذي هو أحد أركان القضاء (14) .
إلا أن هذه الفراسة المذمومة في القضاء مستحسنة بل مطلوبة في قسيمه أو رديفه المصاقب له، وهو الفتوى التي من آدابها وأركانها الضرورية، مراعاة الزمان والمكان وحالة المستفتى ونيته.
وقد كان السلف من الصحابة يلتزمون هذا بدقة، ولهم فيه نماذج فريدة جديرة بالذكر والرواية منها واقعة تتعلق «بعبد الله بن عباس» (رضي الله عنه) الذي جاءه شخص يستفتيه هل للقاتل من توبة فأجابه لا بل إلى النار، فاستغرب جلساؤه ملاحظين أنه كان يفتيهم بعكسه، فأزال استغرابهم وأبطل عجبهم، بأن كشف أنه تفرس في عين ذلك المستفتي العزم على ارتكاب القتل ثأرا، فجنح إلى التشديد عليه ليزجره وتزيد الرواية أنهم استقصوا أحوال المستفتي فتأكد لهم صدق ذلك (15) .
وأظن أنه ينبغي أن يقاس على هذا الاستثناء، استحسان الفراسة في المحققين من رجال الأمن وغيرهم، الذين يتولون البحث عن المجرمين، لمنعهم من ارتكاب الجرائم أو إثباتها عليهم تمهيدا لمحاكمتهم.
نعود إلى معجمنا بعد أن ابتعدنا عنه بهذا الاستطراد، الذي أظن أن القارئ يوافقني على أنه كان في محله، للاستراحة قليلا من ملالة السرد والشرح، لنقول خاتمين أننا إذا كنا قد نسبنا في العنوان، البلاغة إلى كتب التوثيق والموثقين، فإنما كان ذلك بمناسبة التقائنا بالموضوع في هذه المظان الفقهية، بعد أن دفعت الحاجة أرباب هذا الفن إلى انتقاء هذا المعجم البشري الثمين، من المظان اللغوية المتخصصة، إذ الواقع أن مصدر هذه البلاغة هو اللغة العربية بأسرارها وخصائصها التي تتميز بكثير