معشر الأخوة إن بلائنا ليس في هجمة عدونا فحسب .. بل إن من بلائنا فئة من بني جلدتنا .. هي بمثابة بوق عدونا .. !! لا دور لها سوى ترديد كلامه لكن بصوت أعلى .. !! آله صماء يديروها على ما شاء .. !! ويريدها على ما شاء .. !! يحركها للفتنة فتتحرك .. لتغطي الشمس بغربال .. وتطاول العماليق بالتنبال .. !! يدعوها لتفريق الصفوف فتستجيب وتجيد التخريب .. !! يريدها حمى تنهك فتكون طاعون يُهلك .. !! يريدها لسانا فتكون لسانًا وعينًا وأذنًا ويدًا ورجلًا ومقراضًا للقطع وفأسًا للقلع ومعولًا للصدع .. !! ما يشاء العدو إخماد حركة إلا كانت على يديها الهلكة .. !! قد تهيأت فيها أدوات الفتنة .. فجنسها وفردها غبي العين عن طلب المعالي .. وفي السوءات شيطان مريد .. !! بينه وبين أمته إدغام بغير غنة .. !! كما تدغم اللام في اللام فلا يظهر إلا المتحرك .. !! طويل اليد اليسرى وأما يمينه فليس لها في المكرمات بنان .. !! يهدم الأمة ويدعي إنهاضها .. !!
يا من حملت الفأس تهدمها على أنقاضها ** أقعد فما أنت الذي يسعى إلى إنهاضها
كم قلت أمراض البلاد ** وأنت من أمراضها
وتحت وطأة تداعي الأعداء .. خرج مدافعون عن الإسلام بمنطق الضعفاء العجزة .. يتمسكون بالقشة لينفوا عنهم التهمة .. فلا الإسلام نصروا .. !! ولا لأعدائه كسروا .. !! فضروا وما نفعوا .. !! بل سوغوا وميعوا وخلطوا البعر بالدر الثمين .. !! فلم يميز بين غث وسمين .. !! فجاءوا بالكفن في ثياب العرس .. !! وعرضوا النوائح في مواكب الفرح .. !! فصارت الأمة في عمومها تمثالا .. لا يؤوي بل يغري .. وسراب يخدعوا ولا يروي .. (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) .. (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) .. إن أمة تتزحزح عن دينها مقدار شعرة .. تنأى عن مراق الفلاح والعزة سبعين ذراعا .. !! ومع هذا كله فهي أمة مرحومة .. لا تزال فيها طائفة على الحق ظاهرين إلى قيام الساعة .. فما زال في الكرخ زند يوري بالمرخ نلمح شعلته .. وما زلنا نرى من السنان صفحته ..
لا تقل ذلت فما يصدق ** أن يستذل الفار ليث الأجمي
ما غفا طرفي ** ولا قلبي سها
لم أزل ألمح في روضتنا ** وجنة الورد وأهداب المها
لم أزل أحمل في ذاكرتي ** صورة النجم الذي فوق السها
والناس مثل الأرض منها بقعة ** تلقي بها خبثا وأخرى مسجد)