و منهم من يعلم أن أصل ماله حرام، و يصعب عليه فراقه للعادة.
و فيهم من يحلف بالطلاق و يحنث، و يرى الفراق صعبًا.
فربما تأول، و ربما تكاسل عن التأويل إتكالًا على عفو الله تعالى، و وعدًا من النفس بالتوبة.
و منهم من يرى أن إستعمال الشرع ربما كان سببًا في تضييق معاشه.
و قد ألف التفسح فلا يسهل عليه فراق ما قد ألف و العادات في الجملة هي المهلكة.
و لقد حضر عندي رجل شيخ ابن ثمانين سنة، فاشتريت منه دكانًا و عقدت معه العقد.
فلما إفترقنا غدر بعد أيام. فطلبت منه الحضور عند الحاكم فأبى.
فأحضرته فحلف باليمين الغموس إنه ما بعته، فقلت ما تدور عليه السنة. و أخذ يبرطل لمن يحول بيني و بينه من الظلمة.
فرأيت من العوام من قد غلبت عليه العادات فلا يلتفت معها إلى قول فقيه، يقول هذا ما قبض الثمن فكيف يصح البيع؟ و آخر يقول: كيف يجوز لك أن تأخذ دكانه بغير رضاه؟ و آخر يقول: يجب عليك أن تقيله البيع.
فلما لم أقله أخذ هو و أقاربه يأخذون عرضي، و رأى أنه يحامي عن ملكه، ثم سعى بي إلى السلطان سعاية يحرض فيها من الكذب ما أدهشني، و يبرطل مالًا لخلق من الظلمة، فبالغوا و سعوا. إلا أن الله تعالى نجاني من شرهم.
ثم إني أقمت عليه البينة عند الحاكم، فقال بعض أرباب الدنيا للحاكم: لا تحكم له، فوقف عن الحكم بعد ثبوت البنية عنده، فرأيت من هذا الحاكم و من حاكم آخر أعلى منه من ترك إنفاذ الحق حفظًا لرياستهم ما هون عندي ما فعله ذلك الشيخ حفظًا لماله، لجهله و علم هؤلاء، فينحل لي من الأمر أن العادات غلبت على الناس، و إن الشرع أعرض عنه.
و إن وقعت موافقة للشرع فكما أتفق أو لأجل العادة.
فإن الإنسان لو ضرب بالسياط ما أفطر في رمضان عادة قد إستمرت. و يأخذ أعراض الناس و أموالهم عادة غالبة!!.
فكم قد رأيت هذا الشيخ يصلي و يحافظ على الصلاة. ثم لما خاف فوت غرضه ترك الشرع جانبًا.
و كم قد رأيت أولئك الحكام يتعبدون و يطلبون العلم. غير أنهم لما خافوا على رياستهم أن تزول تركوا جانب الدين.
ثم إن الله تعالى نصرني عليه و تقدم إلي الحاكم بإنفاذ ما ثبت عنده، و دارت السنة فمات الشيخ على قل، فنسأله عز وجل التوفيق للإنقياد لشرعه و مخالفة أهوائنا (.
هذه نبذ من أشكال اهتمام القوم ولكن علماء زماننا ألهتهم أمور أخرى .. فأنستهم الهم الأكبر. همّ الأخذ بحجز الناس لإرضاء رب الناس.