(ومن يهن الله فما له من مكرم ) ، ولم يقولوا لا نستطيع تركها ولم يتعللوا بدعوى الضرورة وهكذا يقال في نكاح المتعة .
فقد كان العرب في جاهليتهم يستأجرون المرأة بالثوب والأتوار من الأقط والشعير ، ولما بغلهم خبر تحريمها وخطبهم النبي e قائلًا: » إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا « رواه مسلم . فعزفوا عنها كلهم غنيهم وفقيرهم لكونها من التحريم المؤبد إلى يوم القيامة كما يدل له لفظ الحديث ، ثم إن النكاح قد يصبر عنه بعض الناس السنين الطويلة مع رجوليتهم وقوة شهوتهم خصوصًا الرؤساء والمجاهدين والمشتغلين بالعلم والتجارة والصناعة فإنهم ينصرفون عنه الانصراف الكلي بدون أن يحسوا بشدة ، وكانوا يتغربون عن أهلهم السنتين والثلاث ولا يجدون مساَ من تعب العزوبة ، وكنت ممن تغرب عن الأهل في طلب العلم أربع سنين ولم أجد مشقة في الغربة ولا في العزوبة ، لكون الاشتغال بالعلم وبالأعمال الدينية والمالية يستدعي الانصراف الكلي على حد ما قيل:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم
عن النساء ولو باتت بأطهار
وإن الذين يولعون بمجالسة النساء والعكوف بينهن هم الفارغون البطالون الذين ليسوا في عمل دنيا ولا دين ، وكذا الذواقون الذين يتنقلون في اللذات بين المشتهيات ، فلا يشبع نهمة أحدهم شيء ، حتى قيل إنه لو كان مع رجل جميع نساء أهل العراق فقدمت إمرأة من الشام وذكر له جمالها لتمنى أن تكون زوجة له مضافة إلى نساء أهل العراق وقد قيل:
لا يشبع النفس شيء حين تحرزه
ولا يزال لها في غيره وطر
ولا تزال وإن كانت بها سعة
لها إلى الشيء لم تظفر به نظر
لكن من قرّ عينًا بعيشه نفعه ، ومن جمع الضرات يطلب لذة فقد بات في الأضرار غير سديد .
لهذا رأينا شعراء العرب كإمريء القيس وزهير وعمرو بن ربيعة وكثير عزة رأيناهم يكثرون