من الدعاة من يترك العمل الدعوى ،والأنشطة والبرامج الدعوية لمشاغل أشغلته ومكاسب ألهته ، ومتاعب أرقت ليله ونهاره ؛ فيتخفف من أعباء دعوته بحجة ( الهجر الجميل ) وأن المجتمع أصبح مجتمع فتنة !!
وأن هذا هو زمن الهجر والعزلة .!!
وهم بذلك إنما يبررون تخاذلهم عن أن يقوموا بدعوة الله حق القيام .
ولقد اخبرن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن ( المسلم إذا كان مخالطا الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم )
فبيّن صلى الله عليه وسلم أن واجب الدعاة إلى الله أن يخالطوا الناس .. ليست هي مخالطة التعايش والموافقة وإنما مخالطة علامتها الصبر !
وما هو داعي الصبر ؟!
إنه العمل والدعوة والنصيحة .
إذن هي مخالطة لا تعايش فيها مع المنكر والباطل إنما هي معايشة للبذل والنصح والتضحية والتغيير ، وهنا تكمن الخيرية ( يخالط الناس - كل الناس بشتى أصنافهم - ويصبر على أذاهم ) ، أمّا ذلك المسلم الذي رضي أن يكون صلاحه على خاصة نفسه فهجر الناس وتركهم لم ينل من هذه الخيرية ما ناله الأول .
لا لأنه هجر الناس والمجتمع فحسب ، وإنما لأنه هجر الناس والمجتمع لخلل في خاصة نفسه وهو أنه لا يصبر على الأذى !
على أن هذا الهجر لا يُذم مطلقًا كما أنه لا يُحمد مطلقًا ..!
إنما يُحمد منه ما كان هجرًا جميلًا !
وكيف يكون هجرًا جميلًا ؟!
إن من واجب الدعاة اليوم أن يكونوا أكثر خُلطة بالناس لدعوتهم وبذل النصح لهم ، على فساد المجتمع وادلهام الفتن ؛ وواجبهم هنا على وجه المقابلة أن يعيشوا الهجر الجميل لمجتمع ضج بالفتن والمغريات .
ولنترك لابن مسعود رضي الله عنه يصف لنا هذا الهجر الجميل .. حيث يقول: ( خالطوا الناس وزايلوهم وصافحوهم ودينكم لا تُكلموه ) - لا تكلموه بمعنى لا تجرحوه -
يا سبحان الله . . هذه تجربة الخبير ...
خالطوهم وصافحوهم