فإن كان حالك الأول فإن هناك عسرًا عظيمًا في الخلاص منه، وإن كانت الأخرى فلا بد من إيقاع المضادات على تلك النوايا وعلى تلك الإرادات التي اكتسبت، بأن تخرج من الوسط الذي اكتسبت منه دني الأخلاق ودني الإرادات، ثم تجعل الروح والنفس في وسط يعلو إلى عالي الهمم، وإلى الإرادات الطيبات الحسان، فإن أنت عالجت الشيء بضده رُجِي لك الفلاح وكُتِبَ لك النجاح.
الركيزة الثانية: مجاهدة النفس، فإن النفس لابد أن تجاهد؛ إذ لا يكون العمل عملًا ولا يتحقق في الواقع شاخصًا إلا بعد إرادة وهمة، ثم ينضاف إليه مجاهدة النفس حتى يقع ذلك المراد، ومجاهدة النفس فيها عسر ومشقة، وفيها صعوبة، ولذلك يقول ابن قيم الجوزية - كما في (مفتاح دار السعادة) :"لا يستطيع الإنسان أن يحقق المعالي من الأمور إلا بمجاهدة نفسه وجعلها عدوة له". ويؤكد هذا المعنى جليًا ابن رجب يرحمه الله - كما في شرحه لحديث (لبيك اللهم لبيك) - فيقول:"النفس تحتاج إلى محاربة ومجاهدة ومعاداة فإنها أعدى عدو لابن آدم، فمن ملك نفسه وقهرها ودانها عزّ بذلك؛ لأنه انتصر على أشد أعدائه وقهره وأسره واكتفى شره".
وهذا كله تأكيد على مجاهدة النفس وعركها وسل سيف محاربتها تجاهها، واتخاذها عدوًا للإنسان؛ وما ذلك إلا لأنها قد جُبِلَت على أخلاق مشينة؛ ولأنه لا بد من تخليصها من أسر نفسها، وإنما كانت صعوبة مجاهدة النفس لمعنيين اثنين كشف عنهما الغزالي في (منهاج العابدين) بقوله:"فإنها أضر الأعداء، وبلاؤها أصعب البلاء؛ وإنما ذلك كان لأمرين:"
أحدهما: أنها عدو من داخل الجسد، واللص إذا كان من داخل البيت عزت الحيلة فيه وعظم الضرر.
والثاني: أنها عدو محبوب، والإنسان عمٍ عن عيوب محبوبه لا يكاد يبصر عيبه"."