ولقد اهتم سلفنا الأبرار بالتربية والتزكية للأنفس عبر جانبيها المعروفين: الجانب التنظيري العلمي، والجانب العملي الفعلي فهُما ساقا التربية، وقد أَلَّفَ أئمة كُثر في التربية وتزكية النفس على جهة الخصوص، فقد ألَّفَ الإمام الآجري كتابه الموسوم بـ (أدب النفوس) وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله في كتابه الموسوم بـ (تزكية النفس) .
ويمتد الكلام عن التربية والتزكية للأنفس حتى في الحقبة المسماة بـ (التاريخ الحديث والعصر الحديث) فهناك من يتكلم عن التربية وتزكية النفس وتأديبها، غير أن أكثر من يتكلم في باب التربية وتزكية النفس في هذا التاريخ الحديث وفي عصرنا المعاصر تجدهم يكثرون كثرة فاحشة في التنظير وفي الكلام الكثير الذي قد يكون من حشو القول ولا عمل وراءه، والأصل أن الكفاية كل الكفاية في الوحي فيما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فالنبي المرسل - صلى الله عليه وسلم - كان من علل إرساله وحِكَم بعثته أن يزكي الأنفس ويصقلها وأن يربيها حق التربية، وما ذلك إلا مدعاة إلى أن تنشر قواعد التربية في نصوص الوحيين كتابًا وسنة.
ولا ريب أن الإنسان العاقل إذا وجد الحكمة على لسان كافر أو فاسق أو فاجر التقطها وهو أحق الناس بها، ولكن الأصل والمعوّل عليه هو الوحي: كتاب الله وسنة مصطفاه - صلى الله عليه وسلم - ثم ما جاء عن السلف الأخيار، فمن اقتفى هديهم، واستن بسنتهم، ومشى على دربهم.
إن التأثر بمعطيات الغرب في التربية وفي تأديب النفس ملحوظ في كتب التربويين في هذا العصر الحديث، وينبغي أن يستغني عنه ذو العقل والحصافة، وأن يلوذ بما جاء في الوحي كتابًا وسنة ففيه الغناء والكفاية، فإن أخذ شيئًا من الحكم الصائبة الصحيحة واستوحاها من معطيات الغرب وكتبه فلا شيء في ذلك، وإنما المذموم هو جَعْل ذلك أصلًا تفرَّع عنه القواعد، ويُلاذ به ويُتحاكَم إليه.