الصفحة 8 من 29

في ذِكرِ الآيات الوَارِدَةِ في الحَضِّ عَلَى غَضِّ البَصَرِ

قَالَ َتَعَالَى: {قَد أفلَحَ المؤمِنونَ (1) } إلى قَولِهِ: {وَالذِينَ هُم لِفُرُوجِهِم حَافِظُونَ (4) إلا عَلَى أزوَاجِهِمْ أو مَا مَلَكَتْ أيمَانُهُم فَإنَّهُم غَيرُ مَلُومِينَ (5) فَمَن ابتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأولئِكَ هُمُ العَادُونَ (6) } [المؤمنون:1 - 6] .

وقَالَ َتَعَالَى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُم إنَّ اللهَ خبيرُ بمَِا يَصنَعُونَ} الآية [النور: 30] قَالَ قَتَادَةُ بنُ دعامَةَ رَحِمَهُ الله تَعَالَى في قوله: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} :"أي: عَمَّا لاَ يَحِلُّ لَهُمْ". ذكره البخاري بصيغة الجَزمِ.

فهذان موضعان ضَمِنَ اللهُ فيهِما للمؤمنِين الذين يَغُضُّون أبَصَارَهُم بالفَلاحِ، أمَّا الموضِعُ الأوَّلُ فقَد جاءَ ذلِكَ بأقوى أنوَاعِ التَّوكِيدِ: حيثُ أتى بحرفِ التحقيق (قَدْ) ، وأتى بالجُملَةِ في صِيغَةِ الخَبَر، ثُمَّ ذَكَرَ صِفَاتِ المؤمنينَ وَمنهَا أنَّهُم: {لِفُرُوجِهِم حَافِظُونَ} ولا ريبَ أنَّ حِفظَ الفَرج لا يَكون إلا بِغَضِّ البَصَرِ، فالنَّظرُ بريدُ الزِّنَا.

وفي الموضع الثاني: أمرَ المؤمنينَ بِغَضِّ البَصَرِ، وأخبر أن ذلك {أَزْكَى لَهُم} ، وقد أعلمنا اللهُ سُبْحَانَهُ أنَّ التزكيَةَ توجبُ الفلاحَ حيثُ قال: {قَد أفلَحَ مَن زَكَّاهَا} وقَالَ: {قَد أفلَحَ مَن تَزَكَّى} ، ومن اللَّطيفِ أنًّه أتى بالتَوّكيدِ هنا بِنفسِ الصيغَةِ التي في أتى بها في الآية السابقة، فتأمَّل أيها الأخ الكريم عِظَمَ هَذَا الجَزَاء، وداوم على استحضاره، فيساعدَك في غَضِّ بَصَرِك.

ومن اللَّطائِفِ: أن اللهَ ذَكَرَ آيَةَ النُّورِ فِي قَوْلِهِ: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} عَقِبَ قَوْلِهِ: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} ليدلَّ على أَنَّ غَضَّ الطَّرْفِ يُورِثُ الْقَلْبَ نُورًا وَإِشْرَاقًا، كَمَا أَنَّ إطْلَاقَ الْبَصَرِ يُورِثُ ذَلِكَ ظُلْمَةً وَكَآبَةً. أفادَه شيَخُ الإسلامِ تَقيُّ الدينِ ابنُ تَيمِيَةَ رَحِمَهُ الله تَعَالَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت