الْعَاشِرَةُ: أَنَّهُ يُخَلِّصُ الْقَلْبَ مِنْ سَكْرَةِ الشَّهْوَةِ وَرَقْدَةِ الْغَفْلَةِ، فَإِنَّ إطْلَاقَ الْبَصَرِ يُوجِبُ اسْتِحْكَامَ الْغَفْلَةِ عَنْ اللَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَيُوقِعُ فِي سَكْرَةِ الْعِشْقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي عُشَّاقِ الصُّوَرِ:"لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ"فَالنَّظْرَةُ كَاسٌ مِنْ خَمْرٍ، وَالْعِشْقُ سُكْرُ ذَلِكَ الشَّرَابِ.
وَآفَاتُ الْعِشْقِ تَكَادُ تُقَارِبُ الشِّرْكَ، فَإِنَّ الْعِشْقَ يَتَعَبَّدُ الْقَلْبَ الَّذِي هُوَ بَيْتُ الرَّبِّ لِلْمَعْشُوقِ". ا. هـ كلامُهُ ولا مَزيدَ عليهِ."
وَفَوَائِدُ غَضِّ الْبَصَرِ وَآفَاتِ إطْلَاقِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ، وَقَدْ عَلِمْت الْفَوَائِدَ وَالْآفَاتِ فِي ضِمْنِهَا، فَمَا مِنْ فَائِدَةٍ إلَّا تَرْكُهَا آفَةٌ وَمَفْسَدَةٌ.
فصلٌ
في مُعالجةِ الهمِّ والفكرِ المتولِّدِ عن النَّظرِ
قال ابن الجوزيِّ في «ذمِّ الهوى» :"إعلم وفَّقَك اللهُ أنَّكَ إذا امتثلتَ المأمورَ بهِ من غَضِّ البصرِ عندَ أوَّلِ نظرةٍ سَلمتَ من آفاتٍ لا تُحصَى، فإذا كَرَّرتَ النَّظرَ لم تأمن أن يزرَعَ في قَلبِكَ زَرعًَا يَصعُبُ قلعُهُ، فإن كانَ قد حَصَل ذلكَ فعلاجهُ بالحميَّةِ بالغَضِّ فيما بعدُ، وقطعِ مرادِ الفكرِ بسَدِّ بابِ النَّظرِ فحينئذٍ يَسهُلُ عِلاجُ الحاصلِ في القلبِ لأنَّهُ إذا اجتمعَ سيلٌ فسدَّ مجراهُ، سَهُلَ نزفُ الحاصلِ، ولا علاجَ للحاصلِ في القلبِ أقوى مِن قَطعِ أسبابِهِ، ثُمَّ زجرِ الاهتمام بِه خوفًَا من عُقوبَة اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَمَتَى شرعتَ في استعمالِ هذا الدَّواءِ، رُجيَ لكَ قُربُ السَّلامةِ، وإن ساكنت الهمَّ تَرقَى إلى دَرجةِ العزمِ، ثُمَّ حَرِّك الجَوارحَ".
فَصلٌ