وفي الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله، فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله ، ويحب زوالها والله يكره ذلك ، فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته، ولذلك كان إبليس عدوه حقيقة لأن ذنبه كان عن كبر وحسد.
وللحسد حد وهو المنافسة في طلب الكمال والأنفة أن يتقدم عليه نظيره فمتى تعدى صار بغيًا وظلمًا يتمنى معه زوال النعمة عن المحسود ويحرص على إيذائه، ومن نقص عن ذلك كان دناءة وضعف همة وصغر نفس.
وقد ابتلي يوسف بحسد إخوته له حيث قالوا { لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [يوسف: 8] فحسدوه على تفضيل الأب له ولهذا قال يعقوب ليوسف { لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [يوسف: 5] ثم إنهم ظلموه بتكلمهم في قتله وإلقائه في الجب ، وبيعه رقيقًا لمن ذهب به إلى بلاد الكفر فصار مملوكًا لقوم كفار، وقد قيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن؟ فقال: ما أنساك إخوة يوسف لا أبا لك؟! ولكن غمه في صدرك فإنه لا يضرك ما لم تعد به يدًا ولسانًا.
وقال تعالى في حق اليهود { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } [البقرة: 109] يودون أي يتمنون ارتدادكم حسدا، فجعل الحسد هو الموجب لذلك الود، من بعد ما تبين لهم الحق ؛ لأنهم لما رأوا أنكم قد حصل لكم من النعمة ما حصل - بل ما لم يحصل لهم مثله حسدوكم.