الصفحة 4 من 149

ولعل من أعظم أسرار سيرة نبينا محمد"أنها تمتاز عن سير سائر العظماء بأنها لا تُسْتَنْفَد مهما كتب فيها من كتب؛ فسير العظماء _على الجملة_ يقوم بأمرها، ويغني في شأنها أن تكتب مرة أو مرات، ثم تستنفد معانيها، ويصير الحديث فيها معادًا مكرورًا تغني فيه أعمال الأسلاف عن محاولات الأخلاف."

أما سيرة نبينا محمد"فلقد عُني المؤرخون والرواة بها منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا، وصدر فيها كثير من الكتب في عدة لغات، ومع ذلك لم تخْلَق جِدَّتُها، بل إنها لتزداد _على كثرة ما يكتب فيها_ جِدَّة وَرُوَاءًَا."

وليس ذلك _على خَطره_ بدعًا من طبيعة الأشياء؛ فمحمد هو رسول الله، وخاتم النبيين، وقد أنزل الله إليه الكتاب؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.

والناس المعنيُّون بهذا هم كلُّ الناس منذ بُعث حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وهؤلاء _بسنة الله في الكون_ في تجدد دائم، وتطور متصل، تَجِدُّ لهم دائمًا أحوال، وتحدث لهم أحداث يكون لها آثارها في معاشهم وعلومهم وتفكيرهم.

فليس عجبًا أن يلتمس المؤمنون في الكتاب المنزل، وفي التفسير الحيّ لهذا الكتاب الذي عاشه خاتم النبيين بسيرته _ هديًا لهم فيما يستقبلون كل يوم من شأن.

وليس عجبًا أن يلتمس غيرُ المؤمنين في هذا الكتاب المنزَّل وفي تفسيره الحي من سيرة الرسول ما عسى أن يقعوا فيه على مسافة خُلف بين الدين والتطوُّر، أو بين الكتاب والسنة أو السيرة.

وكذلك عُنِيَ المؤمنون وغير المؤمنين بالسيرة عناية تختلف من حيث الحقيقة والخرافة، ومن حيث الإنصاف والجور.

والسيرة الشريفة _مع هذه العناية المتصلة_ جديدةٌ خصبة، ملهمة موحية؛ لأنها الترجمة الحية العملية لمبادئ الإسلام العليا، فهي تتراءى للعقول والنفوس قوية مشرقة لم يُبلِ جِدَّتها تقادمُ العهد، ولا تطاول الزمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت