وهذا موسم عظيم هلت أنواره، واقترب انبثاق هلاله، فتحت أبواب التوبة تهيؤًا له وغلقت أبواب جهنم كرامة له، وصفدت مردة الجان، وتنزلت الرحمات من رب البريات تزينت الجنة لخطابها، وداعي الرضوان يدعوكم إلى رضوانه فهلا عزلتم عن سبيل الغي بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة والباب مفتوح.
كيف يكن أخياتي والباب قد أغلق، وبالرهن قد غُلِّق [أي استحقه المرتهن] وبالجناح قد عُلق { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } [الشعراء: 227] .
ها هو رمضان بين أيدينا فهل نعلم أندركه أم لا؟ فأما من مَنَّ الله عليها بإدراكه فلتخر ساجدة لله أن أمهلها لتلحق بركب التائبين والآيبين، وليكن قولها كما قال العابدون الأول: «اللهم قد أظلنا شهر رمضان، وحضر، فسلمه لنا وسلمنا له، وارزقنا صيامه وارزقنا فيه الجد والاجتهاد والنشاط، وأعذنا فيه من الفتن، وتسلمه منا متقبلًا» .
اللهم نعماؤك لا تحصى، وفضائلك لا تدرك، وجودك لا ينتهي، وكرمك لا ينقطع، وأنت سبحانك القائل: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } [النحل: 18] .
نسألك كما سألك نبيك وقرة عيوننا محمد الأمين - صلى الله عليه وسلم - ، نسألك أجل نعمة وأعظمها بعد نعمة الإسلام نسألك الهداية فيمن هديت، يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، نسألك بأنا نشهد أنك الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، أن تهدينا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تبارك ربنا وتعاليت، اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.