بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي عم برحمته العباد، وخص أهل طاعته بالهداية والإرشاد إلى سبيل ووفقهم بلطفه لصالح الأعمال ففازوا ببلوغ المراد.
الحمد لله الذي ميز طريق الهداية عن متاهات الغواية، وبيَّن محاسن الأخلاق الإيمانية، وجعلها مدارج صاعدة إلى جنانه مفتوحة أمام أولي الهمة من العابدين.
الحمد لله أحمده حمد معزة بجزيل الأرفاد، وأعوذ به من وبيل الطرد والإبعاد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أدخرها ليوم المعاد.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، مُوَضِّح طريق الهدى والسداد، والمبعوث رحمة للعالمين بالكتاب المبين الفاروق بين الهدى والضلال والغي والرشاد.
صلى الله عليه وعلى آله والأمجاد، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
يقول ابن القيم: اقشعرت الأرض، وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات، وقلَّت الخبرات، وهزلت الوحوش، وتكدرت الحياة من فسق الظلمة، بكى ضوء النهار، وظلمة الليل؛ من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة، وشكى الكرام الكاتبون، والمعقبات إلى ربهم من كثر الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح.
وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، مؤذن بليل بلاءٍ قد ادلهم ظلامه.
ولكنه الرحمن الرحيم، الهادي إلى طريق مستقيم لا يزال يكنف عباده بحلمه ورأفته وجوده وكرمه، وكيف لا!، وهو أرحم الراحمين، وأجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، سبقت رحمته كل شيء، ووسعت كل شيء، فسمى نفسه الرحمن الرحيم، الرؤوف الكريم، يعلم بعلمه الأزلي ضعف وخذلان بني آدم أمام المغريات والشهوات وزينة الدنيا، ويشفق عليهم من عدوهم الأبدي شيطان الغواية، فهيأ لهم مواسم الخير تترى كلما انتهى موسم أقبل آخر، كيف لا ! وهو القائل:
{ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } [النحل: 81] .