(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ.) .
[محمد: 1 - 3] .
(الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: بآيات الله، والكفر بآيات الله الشرعية (وهي الوحي المنزل) يكون بعدة أمور:
أولًا: بتكذيبها، ثانيًا: أو بجحودها، ثالثًا: أو بالاستكبار والعناد.
(وَصَدُّوا) غيرهم.
(عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي: عن طريق الله الموصل إليه وإلى مرضاته.
(أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) أي: أحبطها وأذهبها، ولم يجعل لها جزاء ولا ثوابًا.
كما قال تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) .
-لفظ الضلال في القرآن يطلق على ثلاثة إطلاقات:
الأول: إطلاق الضلال على الضلال عن طريق الهدى إلى طريق الزيغ، وعن طريق الجنة إلى طريق النار.
كما قال تعالى (وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) .ومنه قوله تعالى (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) .
ومنه قوله تعالى (قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) ، وهذا أغلب استعمال الضلال.
والثاني: هو إطلاق الضلال على الغيْبَة والاضمحلال.
ومنه قوله تعالى (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: غاب واضمحل ولم يبق له أثر.
ومنه قوله تعالى (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) فمعنى (ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) أي: اضمحلت عظامهم ولحومهم وجلودهم فيها فأكلتها واختلطت بها.
والثالث: إطلاق الضلال على الذهاب عن علم الشيء، فكل ما لم يهتد إلى علم شيء تقول العرب: ضل.
ومنه قول أولاد يعقوب (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: ذهاب عن علم الحقيقة حيث يفضّل يوسف علينا.
وقوله (قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) أي: ذهابك عن حقيقة العلم بالشيء، لأنك تظن يوسف حيًا، ولا يريدون الضلال، لأنهم لو أرادوا الضلال في الدين لكانوا كفرة لتضليلهم نبيًا من الأنبياء.
ومنه قوله تعالى (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) أي: لا يذهب عنه علم شيء ولا ينسى شيئًا.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا) بقلوبهم.
(وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وعملوا الأعمال الصالحات، من الأفعال والأقوال، الواجبات والمستحباب.
-والعمل الصالح لا يكون صالحًا إلا بشرطين: الشرط الأول: الإخلاص، لقوله - صلى الله عليه وسلم - (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرى ما نوى) ، الشرط الثاني: المتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله - صلى الله عليه وسلم - (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم.
(وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) عطف خاص على عام، وهو دليل على أن الإيمان بمحمد شرط في صحة الإيمان بعد بعثته صلوات الله وسلامه عليه.