وفي كل الأحوال، فإن كل مخرج هو قتل بعينه. فليس القتل الأول بأهون من الثاني، ولا القتل الثالث أيسر على الجنين من الثاني وهكذا. وهذا هو القتل المادي، وهو الغالب الحدوث مع الزانية؛ حيث لا تراعي مطلقا حق الوليد في الحياة، بل إن في محاولتها قتله رغبة في التخلص من جريمة الزنا وثمرتها، ولكن هذا الاعتقاد تبطله الشريعة الإسلامية بقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الإسراء: 16) .
كما أن الشريعة الإسلامية قضت بأمر آخر، في حرصها على حياة الوليد الذي لم يجن أية جناية حتى نبيح قتله أو إجهاضه؛ بل إن أمه هي الجانية وعليها يقام الحد، ولكن ترجأ إقامة الحد على الأم وهي الزانية، لا لأجلها بل لأجل حملها، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم للغامدية بعد أن ثبت في حقها الحد: {اذهبي حتى تضعي، فلما وضعته جاءته، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهبي حتى ترضعيه، فلما أرضعته جاءته فقال اذهبي فاستودعيه، فاستودعته ثم جاءت فأمر بها فرُجمت} [1] .
والإسلام في تحريمه للزنا، وتشديده العقوبة فيها بين حدّ وتعزير [2] ، يبتغي تهذيب النفس الإنسانية بأن يسير بها في طريق الفضيلة والعفة، مراعيا في الوقت نفسه الفطرة البشرية في قضاء شهواتها؛ بأن نظمها داخل إطار الزواج، فإذا كان الزوجان لا يريدان الولد فبإمكانهما استعمال موانع الحمل لا الإجهاض وسيلة للتخلص من الحمل، فما بالك إذا كان لإجهاض جنين متخلق من واقعة زنا!
ثالثا: حكم الإجهاض في حالة الاغتصاب وزنا المحارم
(1) - الحديث أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الحدود، باب: ما جاء في الرجم، رقم 5. انظر: مالك، الموطأ، ص 712؛ وفي مسلم رواية قريبة من هذه رواها في كتاب الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنا، انظر: مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج11/ 213.
(2) - يكون مجال التعزير في جريمة الزنا إذا كان فعل الزنا غير تام،"فللزنا الموجب للحد شروط يجب توفرها حتى يقام الحد. فإذا انعدم أحدها أو اختل سقط الحد؛ ومن هذه الشروط ألا تكون هناك شبهة تدرأ الحد، وأن يكون الفعل من رجل ... فإذا قامت شبهة درء بسببها الحد، لكن مع ذلك فإن الجاني قد ارتكب معصية تستوجب التعزير". عامر، التعزير في الشريعة الإسلامية، ص178؛ وانظر أيضا: ابن الهمام، شرح فتح القدير، ج5/ ص 262؛ السعدي، العلاقات الجنسية غير المشروعة، ج2/ ص 344.