الصفحة 10 من 34

قد انتشرت بين الناس، وتعاظم أمرهم فكان لا بد من الرد عليهم، وذلك لا يكون إلًا بفهم مذهبهم أولًا، حتى نفوقهم في ذلك، ومن ثم نبين تهافت أقوالهم.

د: الصوفية:

بعد الفراغ من العلوم السابقة، اقبل الغزالي على طريق الصوفية، فوجد أن طريقتهم تتم بعلم وعمل. وكان العلم أيسر عليه، فحصَّله من مطالعة كتب مشاهيرهم، كالمكي، والمحاسبي، والجنيد، والشبلي، وأبي يزيد البسطامي. وظهر له كل ذلك أنه لا يمكن الوصول إلى كنه مقاصدهم إلاَّ بالعمل، أي بالذوق والمشاهدة وتبدل الصفات والأحوال. فالفرق كبير بين أن تكون سكرانًا، وبين أن تعرف حد السكر، وبين أن تكون شبعانًا، وبين أن تعرف حد الشبع. لقد علم يقينًا أنهم أرباب أحوال وليسوا بأصحاب أقوال، والمسألة ليست بهذه السهولة، فإن الدخول في طريقتهم يقتضي التخلي عن أمور كثيرة، والتسلح بأمور لا يمكن دخول ذلك الدهليز بدونها. وكان قد حصل معه إيمان يقيني بالله وباليوم الآخر وبالنبوّة، وظهر عنده أنه غير طامع بأمور الدنيا، فما باله لا يُقرَّر؟.

يصف لنا الغزالي أحواله، فيرى أنها غير نافعة في حق الله تعالى، فهو منغمس في العلائق، ويصف لنا أعماله وأحسنها التدريس والتعليم، وهو فيها مقبلٌ على علوم غير مهمة، ومحرَّكها وباعثها طلب الجاه وانتشار الصيت. فلم يزل يتفكر في كل ذلك وهو متردد بين رغبات الدنيا ودواعي الآخرة، بين وساوس الشيطان، ومنادي الإيمان، وقد دام الأمر قريبًا من ستة أشهر. وفي نهاية المطاف، التجأ الغزالي إلى الله التجاء المضطر، فأجابه المجيب إذا دعاه، وسهَّل على قلبه الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب. وأظهر هو أمر الخروج إلى مكة وهو يدبر أمر السفر إلى الشام، وذلك مخافة أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمه البقاء في الشام فيحاولون ثنيه. وخروج الغزالي من بغداد بعد أن تخلَّى عن كل شيء، ثم دخل إلى الشام وأقام فيها قريبًا من سنتين في عزلة وخلوة، ورياضة ومجاهدة، معتكفًا في مسجد دمشق، حيث يدخل إلى منارة المسجد ويغلق بابها على نفسه. ثم رحل بعدها إلى القدس، إلى المسجد الأقصى، ومن ثمَّ تحركت فيه داعية الحج، فسار إلى الحجاز.

رغم كل هذه العزلة، بقيت هواجس الدنيا تُشغِل بال الغزالي، وتشوَّش عليه خلوته. وقد دامٍ الأمر عشر سنين، انكشف له من خلالها أمور لا تحصى. فقد علم يقينًا أن الصوفية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت