ولأنها حياة العمل وحياة التكليف: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [الزلزلة: 7، 8] .
ولأنها حياة الغنيمة لمن اغتنمها، وأهل هذه الحياة قلة؛ لأنهم آمنوا بالله وعملوا الصالحات، وأهل الإيمان قلة؛ يقول تعالى: { وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } [ص: 24] .
وقلة لأنهم شكروا الله بقلوبهم وبألسنتهم وبجوارحهم، وأهل الشكر قليل، قال تعالى: { اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } [سبأ: 13] ، وقلة لأنهم غرباء كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض، وغربتهم جعلتهم يصلحون ما أفسد الناس ويصلحون عند فساد الناس، يقول - صلى الله عليه وسلم -: «طوبى للغرباء» . أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، وأهل هذه الدنيا هم الذين علموا أن الله ناظرٌ إليهم؛ فراقبوه وعلموا أن الموت يطلبهم، فهم له مستعدون، وهم الذين جعلوا الآخرة همهم فجمع الله لهم شملهم وجعل غناهم في قلوبهم، وأتتهم الدنيا وهي راغمة.
ومن أبرز صفاتهم: السلامة من الغفلة؛ فإنها داء عضال يسري في القلوب والجوارح والأعمال والأعمار، كما يسري الماء في الورد، والنار في الهشيم، ويضعفها كما يضعف المرض الأبدان.