وفي استشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة يبين لنا أسلوبه في القيادة, وحرصه على فرض الشورى في كل أمر عسكري يتصل بالجماعة، فالأمر شورى ولا ينفرد به فرد حتى ولو كان هذا الفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ما دام الأمر في دائرة الاجتهاد ولم ينزل به وحي. إن قبول الرسول صلى الله عليه وسلم رأي الصحابة في رفض هذا الصلح يدل على أن القائد الناجح هو الذي يربط بينه وبين جنده رباط الثقة، حيث يعرف قدرهم ويدركون قدره، ويحترم رأيهم ويحترمون رأيه، ومصالحة النبي صلى الله عليه وسلم مع قائدي غطفان تعد من باب السياسة الشرعية التي تراعي فيها المصالح والمفاسد حسب ما تراه القيادة الرشيدة للأمة .
إن موقف الصحابة من هذا الصلح يحمل في طياته ثلاثة معانٍ:
أ- أنه يؤكد شجاعة المسلمين الأدبية في إبداء الرأي، والمشورة في أي أمر يخص الجماعة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
ب- أنه يكشف عن جوهر المسلمين وعن حقيقة اتصالهم بالله ورسوله وبالإسلام.
ج- أنه يبين ما تمتلئ به الروح المعنوية لدى المسلمين من قدرة على مواجهة المواقف الحرجة بالصبر, والرغبة القوية في قهر العدو, مهما كثر عدده وعتاده أو تعدد حلفاؤه.
دروس عبر وعظات من موقف سعد بن معاذ رضي الله عنه من الصلح مع غطفان في غزوة الخندق
1-لقد ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فكرة أساسية في دين الإسلام بل وتمثل جوهر الدين ألا وهي (( عند وجود أمر من الله تعالى يجب على المسلم عدم الاجتهاد بل عليه الطاعة والتسليم وعندما نتعرض لمسالة ليس فيها أمر من الله ورسوله عندها فباب الاجتهاد والابداع والتفكير مفتوح أمام كل مسلم ) ).
وإن من يفهم الفكرة السابقة بشكل شرعي صحيح يدرك أنه لا بدعة في الدين وإنما الابداع والابتكار في أمور الدنيا ويؤيد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» رواه مسلم.