"لكن ينبغي أن يُعرف أن عامة من ضلّ في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول".
فصحيح أنه قد أعذره بعدم الوصول لليقين لأنه عاجز؛ لكنه يتكلم هنا عن سبب هذا العجز، فربط العجز بالكسل؛ فحصول العجز بعدم معرفة مراد الله ومراد رسوله، أو معرفة ماذا قال الله وقال رسوله، هو بسبب تفريطه.
"وترك النظر والاستدلال الموصول إلى معرفته، فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا، كما قال تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأعراف: 35] ":
وجه الدلالة هنا: {فمن اتقى وأصلح} ، والتقوى هنا ليست قيام الليل، بل هي معرفة ماذا قال الله وماذا قال رسول الله والتفقُّه فيهما. {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، والخوف معناه هنا من غلبة الشيطان عليه بواردات ومعانٍ باطلة والتي توصل إلى الشك والحيرة التي يحصل بها الحزن.
"وقوله: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123 - 124] ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-:"تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا، ولا يشقي في الآخرة"، ثم قرأ هذه الآية."
وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنها ستكون فتن، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يَخْلق- يبلى- عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء) ، [والحديث ضعيف، رفعه الشيخ، والصحيح وقفه على علي] وفي رواية: (ولا تختلف به الآراء، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا *يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم) .
وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] ، وقال تعالى: {المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: