الصفحة 104 من 166

طبعًا هذا كذب؛ الفلاسفة لا يهتمّون بعلم الموجودات، وإنما يتكلمون بعالم المُطلق، ليْتهُم يهتمون بالموجودات فيبحثوا في علم الفيزياء، إنما هم بحثوا فيما يقال له:"ما وراء الطبيعة"، والتي يقال لها الآن"الميتافيزيقيا".

"فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أنَّ عُمُومَ الطَّلَبِ مَخْصُوصٌ."

يرُد على قضية الاحتجاج أن الآيات دلّت على إطلاق تعلُّم العلم، فيقول أن هذا الطلب ليس على إطلاقه وإنما هو مخصوص.

"وَإِطْلَاقَهُ مُقَيَّدٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَالَّذِي يُوَضِّحُهُ أَمْرَانِ:"

أَحَدُهُمَا: أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ لَمْ يَخُوضُوا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَيْسَ تَحْتَهَا عَمَلٌ، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ الْمَطْلُوبِ، بَلْ قَدْ عَدَّ عُمَرُ ذَلِكَ فِي نَحْوِ {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عَبَسَ: 31] مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ، وَتَأْدِيبُهُ صَبِيغًا ظَاهِرٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ- لَمْ يَخُضْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ، لَكِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ؛ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِهِ.

وَالثَّانِي: مَا ثَبَتَ فِي كِتَابِ (الْمَقَاصِدِ) أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ أُمِّيَّةٌ لِأُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَحْسِبُ، وَلَا نَكْتُبُ الشَّهْرَ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا) ، إِلَى نَظَائِرِ ذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ هُنَالِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.

وَعَنِ الثَّانِي: إِنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا فَرْضُ الْكِفَايَةِ""

لأنه يقول أن بعض العلوم -وهي غير المختصّة بالكتاب والسنة- ذكرها العلماء من فروض الكفايات، كعلوم الارتزاق؛ الطب والحساب وهكذا، ومن ذكر هذا الغزالي.

"إِنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا فَرْضُ الْكِفَايَةِ رَدُّ كُلِّ فَاسِدٍ وَإِبْطَالُهُ عُلِمَ ذَلِكَ الْفَاسِدُ أَوْ جُهِلَ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ أَنَّهُ فَاسِدٌ، وَالشَّرْعُ مُتَكَفِّلٌ بِذَلِكَ، وَالْبُرْهَانُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَمْ يَعْلَمْ عِلْمَ السِّحْرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ السَّحَرَةُ، مَعَ أَنَّهُ بَطَلَ عَلَى يَدَيْهِ بِأَمْرٍ هُوَ أَقْوَى مِنَ السِّحْرِ، وَهُوَ الْمُعْجِزَةُ، وَلِذَلِكَ لَمَّا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ، وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ؛ خَافَ مُوسَى مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ لَمْ يَخَفْ كَمَا لَمْ يَخَفِ الْعَالِمُونَ بِهِ، وَهُمُ السَّحَرَةُ فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: {لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} ، ثُمَّ قَالَ: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 68] ؛ وَهَذَا تَعْرِيفٌ بَعْدَ التَّنْكِيرِ، وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ .. إلخ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت