حتى قال له رسول الله [أقتالًا أي سعد] ثم فسر الرسول سبب هذا وأنه يعطي بعض ضعاف الإيمان من المال ويترك الأقوى إيمانًا خوفًا على ضعاف الإيمان من الكفر والردة [إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي مخافة أن يكبه الله على وجهه في النار] ، والشاهد أن سعدًا لم يمنعه إيمانه برسول الله وأنه معصوم قولًا وفعلًا من أن يراجعه المرة تلو المرة، وأن يستفسره في هذا الأمر لما يرى في قلبه من وجوب الشفاعة لأخيه المسلم، وأن رسول الله ربما تركه لعدم العلم بحاجته أو لسبب آخر .. والشاهد أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا من فرط ارتباطهم بالحق، وتعظيمهم له في قلوبهم كانوا يناشدون حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وهو يؤمنون بعصمته ونزاهته وعدله .. وقد شهد لهم الرسول بهذه الفضيلة فقال في حديث الشفاعة الطويل: [فما أنتم بأشد مناشدة لي في الحق استبان لكم من مناشدة المؤمنين ربهم يومئذ يقولون: يا رب إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا! فيقول لهم الله سبحانه وتعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه] والشاهد أن الرسول هنا يثني على الصحابة ويذكر موقفًا لأهل الإيمان في الآخرة وهو مناشدتهم الله (والمناشدة من النشيد وهي رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة ونحو ذلك) في إخوانهم الذين سقطوا عن الصراط. فالمؤمنون مع علمهم الأكيد بأن الرب جل وعلا هو الحكم العدل، وهو البصير بعباده، وأنه يجازي كل إنسان بعمله {ولا يظلم ربك أحدًا} وأنه هو الذي حكم بأن يسقط عن الصراط من أهل الإيمان من يسقط، ولكن أهل الإيمان لم يمنعهم إيمانهم بذلك مكن الشفاعة لإخوانهم المؤمنين الذين سقطوا عن الصراط، ومن الإلحاح على ربهم، بل ومناشدته أن يعفوا عنهم بأنهم كانوا يصلون ويصومون مع هؤلاء الذين نجوا وعبروا القنطرة وجسر جهنم. والرب الرحيم سبحانه وتعالى أحب منهم هذه المناشدة والدعاء فهو سبحانه وتعالي وإن كان قد عاقب من سقطوا عن الصراط بما يستحقون إلا أنه جل وعلا يحب أن يشفع المؤمن لأخيه المؤمن. وأن يشعر بشعوره ومن أجل ذلك قبل شفاعتهم، واستجاب لمناشدته ولم يجعل هذا منهم تدخلًا فيما لا يعنيهم. ولا اعتراضًا على حكمه في عباده، بل قال لهم الرب الرحيم الودود: [اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه] ولا يزالون يراجعون الله المرة تلو المرة حتى يقول لهم: [اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردلة من إيمان فأخرجوه] . ويقولون في نهاية المطاف: يا رب لم يبق إلا من حبسه القرآن.
والشاهد من كل ذلك أن أهل الإيمان من فرط تعلقهم بالحق ناقشوا فيما يرونه من الحق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وناشدوا فيما اعتقدوه من الحق رب العزة سبحانه وتعالى، فأين ذلك فيمن يقيم بينه وبين الحق حاجبًا وحاجزًا من إمام متبوع أو جماعة مطاعة، أو رئيس محبوب أو عصبة أو هوى يقدم قول أولئك وهواهم على كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.