والخلاصة أن الارتباط بالحق معنى شريف جدًا يجعل صاحبه متجردًا له باحثًا عنه بكل سبيل فإذا استبان الحق له فهو معه أبدًا لا يحيد عنه، ولا يتأتى ذلك إلا بتقوى الله عز وجل، والتبصر في أمر الدين، وإماتة الهوى وحظوظ النفس، والعصبية والحمية الجاهلية وهذه أمور تحتاج إلى جهاد مرير للنفس ومجاهدة بليغة في الله سبحانه وتعالى. قال جل وعلا: {يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} .
وقال تعالى: {يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} الآية.
وقال تعالى: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا} .
وهذه ثلاث آيات محكمات توضح هذه القضية وخلاصتها أن يكون المؤمن مراقبًا لله في كل أحواله، قائمًا لله أي لا يقول ولا يعمل إلا من أجله وفي سبيل مرضاته، وعلى هدى منه جل وعلا، وأن يكون قائمًا بالقسط وهو العدل في جميع أقواله وأعماله وألا يحمله كراهية عدو على أن يظلمه مهما بلغت عداوته لهذا العدو، ولا يحمله كذلك محبته لقريب أن يشهد معه بباطل، لينفعه مهما كان هذا القريب. ومرة ثانية أقول: بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذروة من ذلك فهذا رسول الله يرسل أحد الصحابة إلى خيبر ليأتي بنصف ثمرتها حسب العهد الذي كان بين اليهود ورسول الله أن يكون لليهود نصف ثمارها وللمسلمين نصف ثمارها. فأراد اليهود أن يرشوه لينقص من حق المسلمين فقال لهم: (اعلموا يا معشر يهود أنكم والله أبغض الناس إلي، وأن رسول الله أحب الناس إلي ووالله لا يحملني بغضكم ولا حبي لرسول الله أن أظلمكم ثمرة واحدة) .
فقال اليهود:"بهذا قامت السموات والأرض". أي على العدل.
فأنظر إلى فعل وقول هذا الصحابي الجليل كيف لم تحمله محبة الرسول وبغض اليهود أن يميل عليهم من أجله. وانظر إلى أحوال كثير من المنتسبين إلى الإسلام اليوم كيف يستبيح لنفسه أن يشهد بالزور ويستحل الظلم في حق من يخالفه الرأي وهو من أهل دينه وملته، ويشهد بالباطل حمية لمن يحبه، وهذا المرض للأسف منتشر بين كثير من منتسبي الجماعات الإسلامية فإنه يحملهم التعصب لجماعاتهم على المحاباة لها، والشهادة لها بالزور واستحلال الكذب على الجماعات المنافسة أو المخالفة، ونادرًا ما تجد من يشهد بالحق، وهذا من الأمور التي زهدت كثيرًا من الناس في الانضمام إلى جماعات الدعوة، واتخذها بعض الكتاب دليلًا على تحريم العمل الجماعي، وقد بينا مرارًا وتكرارًا أن المعصية والظلم وعدم القيام بالحق موجودة في الأفراد