ويظن أنه بذلك سيخرج اليهود من أرض الإسلام ويقيم شريعة الله في الأرض. ويحمي ديار الإسلام من المنافقين والفجار.
وهؤلاء إلى جانب محاربتهم لسنن الله الكونية ومجافاتهم لسنة رسول الله القولية والعملية، وجهلهم بالسيرة والتاريخ بل بالبديهيات فهم مع ذلك ثرثارون متشدقون. قد يعلمون في قرارة أنفسهم أن الدين لا ينصر إلا بجهاد للكفار والمنافقين وأن الجهاد في سبيل الله لا يكون إلا بخطة ونظام وإمارة، وقيادة ولكنهم يغطون قعودهم بتلك الثرثرة الفارغة كقولهم: إن الوقت غير مهيئ، وإن من السياسة ترك السياسة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم مكث ثلاث عشرة سنة يدعو إلى التوحيد، وأن إيجاد الأمة يجب أن يكون قبل وجود القائد .. إلخ.
هذه الثرثرات الفارغة التي لا يراد من ورائها إلا القعود عن نصرة الدين، وتعليق أمل المسلمين بأسباب يعلم كل أحد أن الله لم يرتب عليها وحدها نصر الدين، ولا هزيمة الكافرين.
2 -وأما الأمر الثاني الذي لابد وأن يسلكه الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى فهو معرفة الهدف الذي يريدون الوصول إليه من كل فعل يبذلونه، ثم السعي وفق هذه الأهداف المرجوة، واتخاذ الأسلوب المناسب. فمثلًا لو كان هدفي من دعوة أحد من الناس أن يهديه الله ويوفقه للإسلام، فيجب على ذلك أن أتخذ الأسباب الموصلة في العادة إلى ذلك كإلانة القول له، والاجتهاد في البيان والشرح، والنصح له كما قال تعالى: {فقولا له قولًا لينا لعله يتذكر أو يخشى} وهذا الرجاء بحسب موسى لا بحسب الله سبحانه وتعالى، وذلك أن الله يعلم أن فرعون لا يهتدي، ولكنه أمر موسى عليه السلام بإلانة القول له، لأن لين القول هو الذي يمكن في العادة من أن يقرب الخصم، ويلين القلب، وأما لو كان هدفي من دعوة الشخص أن ألقمه الحجر فقط، وأقيم عليه الحجة وكفى فإنني سأتخذ الوسيلة المناسبة من البيان مع الزجر، والتوبيخ والتقريع، والذم الحامل على الإغاظة والإحناق وهكذا .. وانظر إلى سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم من قريش لقد كان همه صلى الله عليه وسلم جذبهم للإسلام، وإرشادهم إليه، والإبقاء على قوتهم والبعد عن إذلالهم؛ لما كان يرجوه صلى الله عليه وسلم من أن يكونوا عصب الدين، وقبيلة الإسلام، ورجال الحكم من بعده، ولذلك لم يتعمد قط إذلالهم ولا تنفيرهم من الدين، ولا تحطيم قوتهم، ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعجل العذاب لهم، والدعاء عليهم، وأخذه الفداء من أسراهم في بدر، واللين معهم في صلح الحديبية، والعفو عنهم في الفتح، وتولية المناصب العليا لهم بمجرد إسلامهم كما فعل مع خالد وعمرو بن العاص وعكرمة بن جهل .. إلخ وشرح هذا يطول والمهم هنا هو كشف جانبًا من السياسة النبوية الحكيمة في الدعوة إلى الله والتي كانت نابعة من أهداف موضوعة ومقاصد بعيدة، وتخطيط وبصيرة، ولم تكن مجرد أعمال متناثرة لا رابط لها، ولا فقه ولا فهم وراءها. وإنما كانت سياسة مبنية على نظر في العواقب، وتقدير للأمور وتخطيط للمستقبل ..