بينما كان الأب المتعب عائدًا إلى منزله ذات مساء وقد خمدت منه كل قوة، إذا به يلمح في طريقه ولده، فلذة كبده.. يرتع ويلعب مع شباب سيماهم الغفلة، قد دل مظهرهم على مخبرهم، فتفجرت براكين الغضب في عروق الأب، ولكنه أسرها في نفسه ولم يبدها له.. أركبه في سيارته، وانطلق به إلى المنزل، وفي الطريق إذا برائحة [الدخان] تنسل من بدن الابن.. لتستقر في أنف الأب.. كسهم مسموم غرس في قلب الوالد، وخيم الحياء والصمت.. لم يتمالك الأب نفسه لفرط الحرقة والدهشة.. أهذا فلان؟! أهذا ولدي؟!! أهذا ولدي الذي كنت أفاخر به بين الناس؟!! وما هي إلا دمعة حرى أجابت هذه التساؤلات.. فانقلب الأمل إلى ألم..
وليس الذي يجري من العين ماؤها
ولكنها روحٌ تسيل فتقطرُ
ذابت الأحداق حرقة على هذا الولد، وفاضت العبرات.. لماذا؟! لأنه سلك سبيل معصية الله؛ لأنه وقع في أمر منكر فطرة وأخلاقًا، لأنه إذا استمر على هذا الأمر سوف يدمر نفسه ومن حوله، لأنه عصى المعصوم - صلى الله عليه وسلم - عندما نهى عن كل مسكر ومفتر، كما رواه أحمد في المسند، ولأنه استجاب لما يخططه له أعداء الإسلام من إيقاع الشباب المسلم في الملذات المحرمة الضارة دينًا، ودنيا..، وتحسين ذلك، وكما قال الأول:
ما يبلغ الأعداءُ من جاهلٍ
ما يبلغ الجاهلُ من نفسه
وأصبح الأمل ألمًا.
عبرات مدخن
شفة طاهرة..، ووجه حسن.. أنفاس زكيةٌ.. وثنايا كالبرد..، أوغَلَ الحزن في صدره، وذاب الهمُّ في وجدانه.. اضطربت أحاسيسه..، وضجت بين الأضلع آلامه.. ظن جهلًا منه أن الدخينة [السيجارة] هي الملاذ والملجأ من هذه الهموم، والمهرب من هذه الغموم.. فتناولها.. وبدأ طريق الانحراف.. نعم.. طريق الانحراف..